إن الناظر في تاريخ المملكة المغربية الشريفة، ليلمح خاصية فريدة تميزها عن سائر بلدان العالم، وهي تعاضد السلطان والقرآن في خدمة الدين وبناء الإنسان وتحقيق العمران، بما اتخذه السلاطين من مبادرات فائقة، وما أنجزوه من مشاريع رائدة، وفق مقاربة متكاملة تراعي خصوصية الإنسان، وتستجيب لحاجاته المتنوعة، حيث تمتزج فيها المادة والروح، ومصالح الفرد والجماعة، نشدانا لمجتمع متناغم محافظ على فطرته السليمة، ومساير لعصره المتجدد.
ومن تجليات ذلك، عناية ملوك وسلاطين الدولة العلوية الشريفة بالحديث النبوي المنيف، بما قدموه من أعمال فائقة، ومبادرات سابغة، رصعت جبين المغرب بالفخر والاعتزاز.
ولعل من أبرز العهود الزاهرة التي عرفت اهتماما بالغا بالتركة النبوية، عهد محمد السادس حفظه الله وأعز أمره، الذي ازدان بمكرمات فريدة، ومبرات عديدة، من عيونها :
_ الاستناد إلى الحديث الشريف في خطبه السامية، وما تضمنه الهدي النبوي من قيم نبيلة بانية.
_ إصلاح مؤسسة دار الحديث الحسنية لتواصل عملها التنويري في إطار التشبث بالأصيل والانفتاح على الجديد.
_ الإشراف على الدروس الحسنية المنيفة ومدارسة الحديث الشريف ضمن هذه الدروس المباركة.
_ ختم صحيح البخاري بمناسبة إحياء ليلة القدر المباركة.
_ ختم كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى في المساجد الجامعة بالمملكة الشريفة.
_ الأمر السامي للمجلس العلمي الأعلى بتحقيق كتاب الموطأ للإمام مالك.
_ إحداث جائزة أهل الحديث، حفزا للعلماء على الإبداع والعطاء في الاشتغال بالسنة، والاجتهاد في خدمتها بمختلف صنوف الخدمة حفظا وشرحا وبيانا وتصنيفا…
_ الدروس الحديثية بشقيها البياني والتفاعلي، بما تهدف إليه من تقريب السنة للناس بمختلف فئاتهم، والجواب عن أسئلتهم التي يوجهونها لهذا البرنامج الإعلامي.
_ منصة محمد السادس للحديث الشريف لحفظ السنة من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وبيان تهافت الشبه والافتراءات التي ألزقت بثاني المصادر التشريعية.
_ الرسالة الملكية السامية إلى المجلس العلمي الأعلى للاحتفاء والاحتفال بمرور خمسة عشر قرنا قمريا على ميلاد الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم…
وهذا، وغيره كثير، مؤشرات دالة على غنى عهد أمير المؤمنين محمد السادس بالاجتهاد والإبداع في العناية بالإرث النبوي.
وسيتم التمثيل لهذه العناية بمنصة محمد السادس للحديث الشريف، وهي مكرمة مولوية سامية ازدان بها الشأن الديني بالمملكة الشريفة في عهد مولانا أمير المؤمنين محمد السادس حفظه الله وأعز أمره.
وسينتظم هذا المقال _ بالإضافة إلى تمهيد وخاتمة_ في محورين أساسين، وهما:
_ إمارة المومنين وأهميتها في خدمة الدين.
_ منصة محمد السادس للحديث الشريف: الرؤية ومنهجية الاشتغال.
لقد وفق الله المغاربة لفهم طبيعة النظام السياسي في الإسلام منذ غابر الأزمان، فساروا على نظام إمارة المؤمنين، الذي تتولى من خلاله الإمامة العظمى حراسة الدين وسياسة الدنيا، بما يحفظ كليات الدين مما تقوم على أساسه الحياة، بحفظها من جانب الوجود، وحفظها من جانب العدم.
وهو النظام الذي ورثه المسلمون عن سلفهم الصالح، القائم على البيعة الشرعية بين الراعي والرعية.
ويقصد بالبيعة لغة الصفقة على إيجاب البيع وعلى المبايعة والطاعة[1].
واصطلاحا عرفها ابن خلدون بقوله:” اعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمور نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، وأن يطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمي بيعة مصدر باع، وصارت البيعة مصافحة بالأيدي، هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع وهو المراد في الحديث في بيعة النبي – صلى الله عليه وسلم – ليلة العقبة وعند الشجرة”[2].
وللبيعة مقام عظيم في الإسلام، كما نصت على ذلك النصوص الشرعية، كقوله تعالى:” إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنوتيه أجرا عظيما”( سورة الفتح، الآية 10) ، وقوله صلى الله عليه وسلم:” من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية”[3]. وهي واجبة شرعا لانبناء مصالح الأمة عليها، وحاجة الدين إلى سلطان يحرسه.
إن لإمارة المؤمنين فوائد ثرة عز نظيرها في سماء دنيا الأنظمة السياسية المتنوعة، ومن عيونها حراسة الدين وسياسة الدنيا، وقد أجاد أبو حامد الغزالي في وصفه لحاجة الناس للسلطان بقوله:”وأما المقدمة الثانية، وهو أن الدنيا والأمن على الأنفس والأموال لا ينتظم إلا بسلطان مطاع، فتشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين والأئمة، وإن ذلك لو دام ولم يتدارك بنصب سلطان آخر مطاع، دام الهرج، وعم السيف، وشمل القحط، وهلكت المواشي، وبطلت الصناعات، وكان كل غلب سلب، ولم يتفرغ أحد للعبادة والعلم إن بقي حيا، والأكثرون يهلكون تحت ظلال السيوف، ولهذا قيل: الدين والسلطان توأمان، ولهذا قيل: الدين أس، والسلطان حارس، وما لا أس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع. وعلى الجملة، لا يتمارى العاقل في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم، وما هم عليه من تشتت الأهواء وتباين الآراء، لو خلوا وآراءهم ولم يكن لهم رأي مطاع يجمع شتاتهم لهلكوا من عند آخرهم، وهذا داء لا علاج له إلا بسلطان قاهر مطاع يجمع شتات الآراء، فبان أن السلطان ضروري في نظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة، وهو مقصود الأنبياء قطعاً، فكان وجوب نصب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه، فاعلم ذلك”[4].
وفي نفس السياق يضيف الإمام الشهرستاني قائلا: “وقد قال جمهور أصحاب الحديث من الأشعرية والفقهاء وجماعة الشيعة والمعتزلة وأكثر الخوارج بوجوبها فرضاً من الله تعالى، ثم جماعة أهل السنة قالوا هو فرض واجب على المسلمين إقامته واتباع المنصور فرض واجب عليهم، إذ لا بد لكافتهم من إمام ينفذ أحكامهم، ويقيم حدودهم، ويحفظ بيضتهم، ويحرس حوزتهم، ويعبئ جيوشهم، ويقسم غنائمهم وصدقاتهم، ويتحاكموا إليه في خصوماتهم ومناكحاتهم، ويراعي فيه أمور الجمع والأعياد، وينصف المظلوم، وينتصف من الظالم، وينصب القضاة والولاة في كل ناحية ويبعث القراء والدعاة إلى كل طرف“.[5]
ومؤسسة إمارة المومنين بما هي ركيزة أساسية في النظام السياسي والديني في المغرب لها أهمية قصوى في الحياة العامة للمغاربة، لما لها من فوائد جمة وثمرات ثرة، نذكر منها على سبيل التمثيل فقط حفظ الدين والملة، وذلك أن أمير المومنين هو حامي حمى الملة الدين ،كما ينص على ذلك دستور المملكة المغربية الشريفة.
وفي هذا السياق، تواصلت مكرمات أمراء وسلاطين المملكة المغربية الشريفة في خدمة الدين والعناية بمصادره الرئيسة قرآنا وحديثا وسيرة، وحفز أهل العلم على التنافس في الاجتهاد والإبداع، وتوفير ما يلزم من موارد مادية وبشرية لإنجاح المشاريع المبتكرة، وتيسير تحقيق أهدافها المرجوة.
وسنقف في العنصر الموالي مع منصة محمد السادس للحديث الشريف بغرض التمثيل لهذه العناية من جهة، وبيان سياق تأسيسها ومنهجية اشتغالها من جهة أخرى.
أنشئت منصة محمد السادس لحفظ السنة النبوية الشريفة وتنقيتها من كل صنوف التحريف والتصحيف، وبيان تهافت ما يثار في شأنها من شبه وادعاءات، وقد اعتمدت اللجنة العلمية المشرفة عليها منهجا علميا دقيقا يجمع بين الصنعة الحديثية والصنعة الفقهية، بوصفهما متداخلتين لا تنفك إحداهما عن الأخرى.
فقد أدرجت فيها أكثر من عشرة آلاف حديث من المدونات الحديثية المعتمدة كالموطأ والصحيحين والسنن الأربعة، بالإضافة إلى مسند أحمد، وما تزال عملية إدخال الأحاديث بها مستمرة، في أفق أن تتضمن جل ما صنف في الحديث المنيف.
كما أنها مهيأة للإجابة عن أسئلة المستفسرين عن درجة الأحاديث أو شروحها، إذ تكون الأجوبة رهن إشارة السائلين في أقل من أربع وعشرين ساعة، فضلا عما ينشر بها من مقاطع علمية بعد تأشير اللجنة العلمية عليها.
وأهم ما يميز هذه المنصة أنها تعتمد الأحكام النقدية للمتقدمين الذين جمعوا بين الرواية والدراية، والنظر في السند كما في المتن، فضلا عن عميق نظرهم في الرواة بدراسة استثناءاتهم وعدم التعميم، ذلك أن أوصاف الرواة أغلبية وليست مطردة، وعلى هذا يتعين على دارس النصوص الحديثية أن يدرك هذا الملحظ كيلا يكون تعامله مع الحديث تعاملا رياضيا آليا، وذلك بالحكم على رواية الثقة بالصحة، ورواية الصدوق بالحسن، ورواية الضعيف بالضعف، إذ الأمر على خلاف ما ذكر، كما يتبدى من صنيع الأئمة الأعلام كالبخاري وغيره ممن ارتضوا بعض أحاديث في سندها رواة ضعاف، أو ردوا أحاديث بالرغم من صحة إسنادها.
وقد لفت النظر لهذه المسألة الحافظ ابن حجر، حيث قال :” الفصل التاسع في سياق أسماء من طعن فيه من رجال هذا الكتاب مرتبا لهم على حروف المعجم، والجواب عن الاعتراضات موضعا موضعا، وتمييز من أخرج له منهم في الأصول، أو في المتابعات، والاستشهادات عند مفصلا لذلك جميعه، وقبل الخوض فيه، ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان، مقتض لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما، هذا إذا خرج له في الأصول، فأما إن خرج له في المتابعات، والشواهد، والتعاليق، فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره، مع حصول اسم الصدق لهم. وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنا، فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مبين السبب، مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي، وفي ضبطه مطلقا، أو في ضبطه لخبر بعينه؛ لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة، منها ما يقدح، ومنها ما لا يقدح، وقد كان الشيخ أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح: هذا جاز القنطرة! يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه. قال الشيخ أبو الفتح القشيري في مختصره: وهكذا نعتقد، وبه نقول، ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة، وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما… “.[6]
و هو المعنى ذاته الذي أشار إليه ابن الصلاح في شأن صحيح مسلم بقوله:” عاب عائبون مسلما بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء، أو المتوسطين، الواقعين في الطبقة الثانية، الذين ليسوا من شرط الصحيح أيضا.
والجواب أن ذلك لأحد أسباب، لا معاب عليه معها:
أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره، ثقة عنده. ولا يقال: إن الجرح مقدم على التعديل، وهذا تقديم للتعديل على الجرح؛ لأن الذي ذكرناه محمول على ما إذا كان الجرح غير مفسر السبب، فأنه لا يعمل به …ويحتمل أيضا أن يكون ذلك فيما بين الجارح فيه السبب، واستبان مسلم بطلانه. الثاني: أن يكون ذلك واقعا في الشواهد والمتابعات، لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولا بإسناد نظيف، رجاله ثقات، ويجعله أصلا، ثم يتبع ذلك بإسناد آخر، أو أسانيد فيها بعض الضعفاء، على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه …
الثالث: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به، طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه، غير قادح فيما رواه من قبل في زمان سداده، واستقامته … الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده برواية الثقات نازل، فيذكر العالي، ولا يطول بإضافة النازل إليه، مكتفيا بمعرفة أهل الشأن بذلك… [7]
ومن جهة أخرى اعتمدت الأحاديث التي عليها العمل، ومعنى هذا أن الحديث مهما صح لا يكون سنة إلا إذا استوفى جملة من الضوابط والشروط، ومنها أن يكون عليه العمل، لذلك كان الموطأ على هذا الشرط بتضمنه لأحاديث عليها العمل.
وقد يقول قائل إن في الموطأ أحاديث لم يكن عليها العمل، والجواب بالتأكيد، غير أن سبب ذلك كما ذكر ابن الماجشون كي يعلم أن تركها كان على علم.
قال ابن المعذّل المالكي:” سمعت إنساناً سأل ابن الماجشون: لم رويتم الحديث ثم تركتموه؟، قال: لِيُعلَم أنا على علم تركناه“.[8]
وصنيع مالك هذا في اعتبار العمل للحكم على سنية تصرف نبوي له ما يسنده عند سلفه الصالح، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول من على المنبر: ” أحرج بالله على رجل روى حديثا العمل على خلافه”، وهو ذات الملحظ الذي وجه إليه عمر بن عبد العزيز عند تدوين الحديث عندما كتب ذات يوم إلى أبي بكر بن محمد بالمدينة رسالة يقول له فيها: انظر ما كان من حديث رسول الله، أو سنة ماضية، أو حديث عمرة فاكتبه، فإني خفت دروس العلم، وذهاب أهله”.[9]
والشاهد في هذا النص قوله رضي الله عنه” أو سنة ماضية”، ومعناه ما عليه العمل. كما كان يجمع الفقهاء ويسألهم عن السنن والأقضية التي يعمل بها فيثبتها، وما كان لا يعمل به الناس ألغاه، وإن كان مخرجه من ثقة.
قال ابن وهب: “قال مالك: سمعت من ابن شهاب أحاديث كثيرة ما حدثت بها قط، ولا أحدث بها. قال الفروي فقلت: لم؟ قال ليس عليها العمل”[10].
ولذلك كان العمل المدني المعيار الأساس في نقد الأخبار والمرويات، فما وافقه فهو المحفوظ المعتبر، وما خالفه فهو الشاذ المردود.
ولهذا الاعتبار، اختار المغاربة المذهب المالكي وآثروه على المذاهب الأخرى، لما وجدوا فيه وفي صاحبه من قوة النظر والدليل ورجاحة الاختيار من جهة، ولانسجامه وتناغمه مع خصوصياتهم وأحوالهم من جهة أخرى .
والدارس للمذهب المالكي يقف على حسن اختيار أهل المغرب، وجميل اصطفائهم، وعميق فهمهم، وسديد فقههم. ويمكن تجلية ذلك بذكر بعض ما تميز هذا المذهب على سبيل التمثيل والاختصار:
_ فهو مذهب سني متصل السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويمكن بيان ذلك بالإشارة إلى أن الإمام مالكا أخذ عن شيوخه كابن هرمز، وربيعة الرأي، وابن شهاب…، وهؤلاء أخذوا عن الفقهاء السبعة[11]، وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار، الذين أخذوا عن الصحابيين الجليلين عبد الله بن عمر بما يمثله من توجه أثري، وزيد بن ثابت بما يمثله من مدرسة الرأي، اللذين أخذا عن عمر بن الخطاب، الذي شهد له القرآن الكريم كما النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بموافقاته ومقاصدية اختياراته وجليل فقهه.
قال صلى الله عليه وسلم:” لو كان نبي بعدي لكان عمر”. [12]
وعلى نفس النهج سار علماء المغرب باستنادهم إلى ما جرى به العمل، فأغنوا بذلك المكتبة الإسلامية باجتهاداتهم النيرة في الموضوع ،كما هو جلي في العمل الفاسي، والعمل الرباطي، والعمل السوسي…
_ أنه مذهب وسطي يحافظ على الأصل التليد، ويواكب الطارئ الجديد: ويظهر ذلك بالنظر إلى الأصول التي قام عليها صرحه، إذ استند إلى أدلة نقلية وعقلية، مما جعله مذهبا محافظا على الثوابت والقطعيات، ومجددا في المتغيرات والظنيات.
ومن تجليات تجدده وقدرته على استيعاب المشكلات المستجدة ومواكبة الظروف المتغيرة، أخذه بالمصلحة المرسلة، وهي التي لم يشهد لها الشرع لا باعتبار ولا بإلغاء، والغاية المرجوة من إعمالها درء المفاسد وجلب المصالح.
وقد أبدع المجلس العلمي الأعلى في جوابه عن خطاب مولانا أمير المومنين محمد السادس حفظه الله ونصره الموجه إلى العلماء في افتتاح الدورة الأولى للمجلس العلمي الأعلى بفاس، يوم الجمعة فاتح جمادى الثانية عام 1426ه موافق 08 يوليوز 2005م، والذي جاء فيه:” … وفي هذا السياق قررنا أن تكون فاتحة أعمال المجلس العلمي الأعلى تكليفه، طبقا لما يراه من رأي فقهي متنور، بتوعية الناس بأصول المذهب المالكي، ولا سيما في تميزه بالعمل بقاعدة المصالح المرسلة، التي اعتمدتها المملكة المغربية على الدوام، لمواكبة المتغيرات في مختلف مناحي الحياة العامة والخاصة، من خلال الاجتهادات المتنورة، لأسلافنا الميامين ولعلمائنا المتقدمين، وهو الأصل الذي تقوم عليه سائر الأحكام الشرعية والقانونية المنسجمة والمتكاملة، التي تسنها الدولة بقيادتنا، كملك وأمير المؤمنين، في تجاوب مع مستجدات العصر، والتزام بمراعاة المصالح، ودرء المفاسد، وصيانة الحقوق وأداء الواجبات”.
وإجمالا، فإن أهم المعالم النقدية التي تقوم عليها المنصة في تقويم المرويات تستند إلى الأمور الآتية:
_ قبول ما وافق واجب تنزيه الله تعالى كما في قوله تعالى:” ليس كمثله شيء وهو السميع البصير”(سورة الشورى، الآية 9)، ورد ما خالفه من تجسيد أو تجسيم. وقد كتب علماء العقيدة في هذا الموضوع وبينوا ما يجب في حقه تعالى وما يجوز وما يستحيل.
_ قبول ما وافق ما يجب في حق الأنبياء، وما لهم من صفات كالصدق والأمانة والتبليغ والفطانة، ورد ما خالف ذلك، إذ ليس من المقبول اعتماد حديث مهما صح سنده، يخالف مضمونه إحدى هذه الصفات النبوية التي أجمع عليها النقل والعقل.
_ قبول ما وافق السنة العملية المتفق على صحة ثبوتها ، ورد ما خالف السنة العملية المتفق على صحة ثبوتها، لأن حقيقة السنة تجسدها المداومة عليها عملا، إذ أن صدور تصرف معين من الرسول صلى الله عليه وسلم تحكمه سياقات مختلفة، ولا يعتمد منها إلا ما كان مفيدا للتشريع، وهو ما جعله يكون عليه العمل، ويتمسك به الأئمة الأعلام لدقيق فهمهم لهذه المسألة وعميق دركهم لها.
_ قبول العمل المدني النقلي المنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورد ما خالفه ، لأن عمل أهل المدينة هو الصيغة النهائية للسنة النبوية، وهو عين السنة التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، وسار عليها الصحابة الكرام، والتابعون وتابعو التابعين، إلى عصر الإمام مالك الذي يعد حلقة مهمة في هذا الأصل.
_ قبول ما وافق الأصول والقواعد المجمع عليها ورد ما خالفها: ويقصد بهذا أن يكون الحديث متناغما مع المبادئ الشرعية الكلية، ومنسجما مع الأدلة الإجمالية من كتاب، وصحيح الحديث، وإجماع، وقياس، ومتوافقا مع القواعد الأصولية والفقهية التي اتفق العلماء عليها من قبيل القواعد الفقهية الكلية الخمس الآتية:
_ اليقين لا يزول بالشك، وما يتفرع عنها من قواعد جزئية ك
_ الضرر يزال.
_ المشقة تجلب التيسير.
_ العادة محكمة.
_ الأمور بمقاصدها.
_ قبول ما وافق بديهيات العقول التي لا تختلف عليها النفوس السوية ورد ما خالفها، ويقصد بالعقل هنا صريحه، وليس ما كان من باب القول بالهوى والتشهي، فالعقل ميزان فيما يطيقه ويستطيعه. يقول ابن خلدون:” ولا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها، والوقوف على تفصيل الوجود كله، وسفه رأيه في ذلك. واعلم أن الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه أنه منحصر في مداركه لا يعدوها، والأمر في نفسه بخلاف ذلك، والحق من ورائه. ألا ترى الأصم كيف ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربع والمعقولات، ويسقط من الوجود عنده صنف المسموعات. وكذلك الأعمى أيضاً يسقط من الوجود عنده صنف المسموعات، ولولا ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من أهل عصرهم والكافة، لما أقروا به. لكنهم يتبعون الكافة في إثبات هذه الأصناف، لا بمقتضى فطرتهم وطبيعة إدراكهم، ولو سئل الحيوان الأعجم ونطق، لوجدناه منكراً للمعقولات وساقطة لديه بالكلية. فإذا علمت هذا فلعل هناك ضرباً من الإدراك غير مدركاتنا، لأن إدراكاتنا مخلوقة محدثة، وخلق الله أكبر من خلق الناس. والحصر مجهول والوجود أوسع نطاقاً من ذلك، والله من ورائهم محيط. فاتهم إدراكك ومدركاتك في الحصر، واتبع ما أمرك الشارع به في اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك، لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك. وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها. غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال.
ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدل على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حد يقف عنده ولا يتعدى طوره، حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه. وتفطن من هذا الغلط من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا، وقصور فهمه واضمحلال رأيه، فقد تبين لك الحق من ذلك. وإذا تبين ذلك، فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الارتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا، خرجت عن أن تكون مدركة، فيضل العقل في بيداء الأوهام، ويحار وينقطع. فإذا: التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب وكيفيات تأثيراتها، وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها، إذ لا فاعل غيره. وكلها ترتقي إليه وترجع إلى قدرته، وعلمنا به إنما هو من حيث صدورنا عنه لا غير…”[13].
_ قبول ما وافق التاريخ الثابت لشرطه عند أهله ورد ما خالفه، كما هو صنيع الخطيب البغدادي الذي رد وثيقة قدمها قوم يدعون فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم أسقط عنهم الجزية يوم فتح خيبر عام السابع من الهجرة، واستندوا في ذلك إلى شهادة سعد بن معاذ وأبي سفيان.
وقد كان الاحتكام إلى التاريخ حاسما لبيان تهافت زعم القوم من خلال مؤشرين اثنين هما:
_ أن سعد بن معاذ استشهد في غزوة بني قريظة، أي قبل خيبر بعامين.
_ أن معاوية لم يسلم إلا بعد فتح مكة، أي بعد خيبر بعام.
وبهذا رد الخطيب البغدادي هذه الفرية بعدما بين عللها المختلقة .
_قبول ما وافق أصل الرحمة التي هي أصل الدعوة ورد ما خالفه، إذ المقصد الأسنى من بعثة النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم رحمة العالمين كما قال عز وجل:” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” (سورة الأنبياء، الآية 106)، وهذا معناه أن رحمة الإسلام شاملة ممتدة في الزمان والمكان والإنسان، فهو رحمة بالعالم كله، والعالم هو ما سوى الله من بشر وجماد وحيوان…، والبشر أصناف مومنون، وكفار، ومنافقون.
قال القاضي عياض:” وقال السمرقندي (رحمة للعالمين) يعنى للجن والإنس، قيل لجميع الخلق: للمؤمن رحمة بالهداية، ورحمة للمنافق بالأمان من القتل، ورحمة للكافر بتأخير العذاب. قال ابن عباس رضى الله عنهما: هو رحمة للمؤمنين والكافرين، إذ عوفوا مما أصاب غيرهم من الأمم المكذبة”[14].
وبناء على هذا، فكل حديث يخالف أصل الرحمة الذي قام عليه الإسلام، فهو مردود، ولا يعتد به في الاحتجاج والاستمداد.
_ قبول ما وافق كرامة الإنسان ورد ما خالفها، فقد جاء الإسلام لتكريم الإنسان لقوله تعالى:” ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا” (سورة الإسراء، الآية 70)، ولذلك ناسب أن تكون مرويات الرسول صلى الله عليه وسلم خادمة لهذا الأصل متناغمة معه، فإذا صح الحديث وعزز التكريم الرباني لبني آدم اعتمد واستند إليه بعدما يستوفي بقية الشروط الأخرى المطلوبة في قبوله. أما إذا كان النص المروي مخالفا لكرامة الإنسان الثابتة له بنص القرآن رد، وإن كان مستوفيا للشروط المعتبرة عند المحدثين في القبول.
إن ما ذكر في هذه الصفحات غيض من فيض مما ازدان به عهد أمير المؤمنين محمد السادس حفظه الله ونصره في العناية بالحديث الشريف، وفي مسايرة العصر باستثمار ما استجد من وسائل في خدمة هذا العلم المنيف، لتنضاف هذه المكرمة إلى سلسلة المكرمات المتواصلة التي تعرفها المملكة المغربية الشريفة في عهده حفظه الله ، حيث تتأكد الفرادة المغربية بنظامها الشرعي إمارة المؤمنين في تحقيق المنجزات الدينية والدنيوية، بما يحقق لأهلنا الأمن الروحي المنشود، والكرامة الإنسانية المرجوة، وهو ما بوأ المغرب مقاما عليا في سماء دنيا الدول والشعوب، بأن أصبح قبلة كل من ينشد بصدق الانتفاع من التجربة المغربية، والاستمداد من دروسها.
2_ ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر ج1/261، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية 1408هـ_ 1988م.
4_ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر.
5_ الاقتصاد في الاعتقاد، دار الكتب العلمية، بيروت _ لبنان، الطبعة الأولى 1424هـ 2004م.
[5] _ نهاية الإقدام في علم الكلام ص 267، تحقيق أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية_ بيروت، الطبعة الأولى 1425هـ.
[6] _ فتح الباري 1/ 384، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
[7] _ صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط 1/ 96، دار الغرب الإسلامي _ بيروت، الطبعة الثانية 1408هـ.
[8] _ ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض 1/ 45، مطبعة فضالة – المحمدية، المغرب، الطبعة الأولى.
[9] _ معرفة السنن والآثار للبيهقي.
[10]– ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض 1/ 186، مطبعة فضالة – المحمدية، المغرب، الطبعة الأولى..
[11]_ في ذكرهم اختلاف يسير بين العلماء .
[12] _ جامع الترمذي ،كتاب المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب في مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
[13]– ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر ج1/582- 583، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية 1408هـ_ 1988م.
[14] – الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1/17، دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع 1409 هـ – 1988 م.