خطاب جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، في محاميد الغزلان بين ترسيخ الوحدة الوطنية واستمرارية المقاومة



خطاب جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، في محاميد الغزلان بين ترسيخ الوحدة الوطنية واستمرارية المقاومة

ذ. محمد امراني علوي

الكلية المتعددة التخصصات- الرشيدية

 

تقديم

تعد الرحلات والزيارات التي يقوم بها الملوك والسلاطين إلى عدة مناطق، وأجزاء من أراض سلطتهم، أداة تواصل وترابط بين المركز وهذه المناطق، إلى جانب كونها وسيلة أساسية للاطلاع، والتعرف على أحوال السكان الاقتصادية، والاجتماعية، بالإضافة، لكونها توجه عدة رسائل، وتحمل العديد من الدلالات، وأهمها وجود وتفعيل سلطة السلطات عليها، وتأكيد تبعيتها له، وأحيانا أخرى بهدف توطيد أركان السلطة وفي أوقات أخرى تكون من اجل تفقد أحوال الرعية، وهذا ديدان الملوك والسلاطين العلويين منذ تمت بيعتهم إلى اليوم، منذ عهد المولى امحمد إلى عهد محمد السادس ولعل ما يروج  على الالسن، أن الحسن الأولى لكثرة رحلاته وتنقلاته أنه توفى على ظهر فرسه، ولذلك لم تكن رحلات وتنقلات المغفور له محمد الخامس وليدة صدفة أو ظاهرة مبتكرة بل عمل اصيل في سياسة الملوك والسلاطين العلويين، لكن ما ميز المغفور له محمد الخامس عن غيره، إنه كان يتحدى الاستعمار، ويقوم بعدة رحلات وزيارات لمناطق من التراب الوطني، سوف تستمر إلى حدود حصول المغرب على الاستقلال، عاملا على إحياء هذه السنة الحميدة، رغم أنها كانت ذات خصوصيات مخالفة في سياقها لما سبقتها، وقد كان من بين الرحلات المتميزة في عهد محمد الخامس رحلة محاميد الغزلان، ذات الدلالات والمعاني الكثيرة، فما هو سياقها ودلالاتها: ولكن ساهمت في ترسيخ الوحدة الوطنية، فكيف ساهمت في ربط ماضي المغرب بحاضره، وحاضره بمستقبله؟ و كيف رسخت التوعية الشاملة للاستمرار في الكفاح من أجل استكمال الوحدة الترابية للمملكة؟.

1- محمد الخامس واستراتيجية الزيارات الإقليمية:

اهتم السلطان محمد الخامس بشؤون الأمة المغربية منذ تحمل مسؤولية الحكم في المغرب رغم حداثة سنه، حيث تميز ببعد نظر كبير، ولذلك كثيرا ما تصطدم مع الإدارة الاستعمارية خصوصا عندما وضع نصب عينه مصالح الدولة والشعب، وهذا ما يستشف من خطابه التاريخي بطنجة عندما قال: “ولنشمل كل النواحي المغربية بكامل رعايتنا، برهنا بالوقوف على كل شؤونها على جميل عنايتنا ما انتقلنا عند كل مناسبة إلى كل جهاتها من مغربها إلى المشرق”[1].

وما ذكر في النص اعلاه كان من بين الأولويات الأساسية في سياسته، لذلك كانت كل الزيارات، والرحلات التي يقوم بها داخل الوطن، أو خارجه، الا وحدد لها هدف أني. بالإضافة الى هدف بعيد المدى ويتضح ذلك من خلال  رسائل ودلالات تلك الرحلات والزيارات، ولابد من الاشارة الى بعض المحطات البارزة في هذا المجال اذ نذكر على سبيل المثال منها زيارة السلطان الى فاس في ماي 1934م وما عرفته هذه الزيارة من رسائل سياسية قوية جعلت فرنسا تتدخل لتجعل لها حدا مضطرة الى ايقافها، وذلك لكون اهل فاس نظموا على شرفه مظاهرات سرعان ما تحولت الى شعارات مناوئة للاستعمار الفرنسي، وقد كان في ذلك للصحافة الوطنية وفي مقدمتها جريدة L’Action du Peuple (عمل الشعب) الدور الحاسم إذ رحبت ب “العاهلين المغربيين” وكان المقصود بهما محمد بن يوسف ونجله مولاي الحسن، وذهبت هذه الصحافة إلى نعت الأمير الذي لم يكن عمره يتجاوز خمس سنوات ب “ولي العهد” الشيء الذي كان يحمل أكثر من دلالة”[2]. ومضمون هذا النص يقدم عدة رسائل قوية متمثلة في الالتحام والاستقبال الشعبي للسلطان وولي عهده مما بين الالتحام والتماسك القوي بين الشعب والسلطان، ثم المناداة بصفة ولي العهد، والتي يفهم منها وجود الاستمرارية، وربط الماضي بالحاضر، ثم رفع الشعارات المناوئة للاستعمار، وهي عبارة عن رسائل موجهة للسلطان تطلب منه إحداث قطيعة مع الاستعمار، وتؤكد على مطلب الاستقلال، ولعل هذا ما أزعج السلطات الاستعمارية التي عملت على ” توقيف الزيارة ومنع عدد من الجرائد الوطنية في 16 ماي 1934م … غير أن الإجراءات القمعية لم تعمل إلا على تعزيز مكانة السلطان كعنصر فعال في الحركة الوطنية”.[3]

ولعل هذا ما بين أن هذه الزيارة التي أرادت فرنسا أن تجعل منها أداة صراع وقطيعة بين السلطان وشعبه، جسدت في حقيقة الأمر الارتباط الوثيق بين الشعب والسلطان والالتفاف الكبير حول سلطان البلاد، وإظهار الموقف المعادي للاستعمار وسياسته.

ومن الزيارات السلطانية لبعض المناطق والأقاليم التي حملت عدة دلالات، ووجهت عدة رسائل، ما أشار إليه الأستاذ هاشم العلوي القاسمي أثناء حديثه عن رحلة السلطان سيدي محمد بن يوسف إلى تافيلالت ، ماي 1941م”[4]، والتي قدم لها وصفا كرنولوجيا منذ انطلاقته بالرباط، إلى وصوله إلى مدينة الريصاني، محاولا تقديم وصف شامل لمكان استقباله مستنتجا عدة دلالات وعبر، حيث أكد أن الهدف الأساس منها كان هو محاولة فرض التهدئة مع المستعمر في المنطقة، لكنها في حقيقة الأمر جسدت بعدا وطنيا متمثلا في قوة سلطة السلطان، ودوره الفعال في فرض التهدئة من خلال تنفيذ أمره، وطاعة أهل تافيلالت له، وهذا ما يجسد الروابط القوية الموجودة بين سكان تافيلالت والسلطان سيدي محمد بن يوسف.

وبعد تقديم الحركة الوطنية بالتنسيق الكامل مع السلطان، وثيقة المطالبة بالاستقلال يوم 11 يناير 1944م إلى السلطات الفرنسية مطالبة منح المغرب استقلاله الكامل[5]، برزت ردود الفعل الفرنسية عليها، بل اظهار مواقفها السلبية تجاه السلطان، ما جعله يستغل الزيارة إلى مدينة طنجة، بل جعل منها محطة لتقديم رسائل دبلوماسية إلى السلطات الفرنسية، وهذا ما يستشف من الإشارات القوية التي قدمها الأستاذ جامع بيضا بقوله “ذلك أن سيدي محمد بن يوسف قد تعمد في خطابه بطنجة (9 ابريل) إغفال العبارات البروتوكولية المنوهة بدور فرنسا في المغرب، والتي جرت العادة أن يختتم بها خطبه للتعبير عن استيائه لما اقترفه الجنود السنغاليون” من بطش في الدار البيضاء يوم السابع من أبريل”[6] هذه الزيارة التي اعتبرت تحديا للدولة الفرنسية[7] وتجسيدا للوحدة المجالية والترابية للدولة المغربية، إلى جانب هذا أشار أيضا في خطابه بطنجة إلى التأكيد على مطلب الاستقلال. من خلال تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال[8]. هذا ما أحدث استياء في العلاقة بين السلطان والإقامة العامة، كرد فعل منها على ما قام به وما وجهه من رسائل سياسية داخليا وخارجيا، ولعل هذا ما بين أن السلطان كان يختار الأوقات والأماكن المناسبة التي يوجه فيها الرسائل الدبلوماسية لفرنسا أساسا، بالإضافة إلى القيام ببعض الأعمال التي تستنتج منها كذلك رسائل كثيرة جدا، ودلالات وعبر.

لم يتوقف السلطان عن استراتيجيته هذه، فحتى بعد حصول المغرب على الاستقلال، ومع بقاء بعض الأجزاء الأخرى تحت الاستعمار، فانه وجه عدة رسائل كثيرة من خلال زيارته لعدد من الأماكن، ففي سنة 1956م توجه جلالة السلطان إلى المنطقة الشمالية واضعا حدا لمرحلة الانقسام مؤكدا على توحيد المغرب بربط الشمال المغربي بجنوبه، بعد التفاوض مع الدولة الاسبانية واعترافها بوحدة المغرب الترابية[9].

وفي نفس السياق الذي تمت فيه هذه الزيارة، تمت أيضا زيارة السلطان إلى محاميد الغزلان، سنة 1958، فما هو سياق وحيثيات هذه الزيارة؟

2-سياق وحيثيات زيارة محاميد الغزلان:

أ- سياق الزيارة:

اذا انطلقنا من الخطاب التاريخي الذي وجهه السلطان في طنجة، والذي أكد فيه أن الزيارة تأتي في سياق إظهار العناية والرعاية التي يوليها لجل المناطق المغربية، والوقوف على شؤونها، فمن الراجح بل الأكيد أن زيارة السلطان إلى محاميد الغزلان لم تخرج عن هذا السياق، بالإضافة إلى أمر أخر متمثل في زمن الزيارة الذي يمثل استقلال جزء كبير من المغرب، وكون المدينة توجد على حدود منطقة محتلة من طرف الاسبان، ولعل إلقاء الخطاب السلطاني بمحاميد الغزلان له دلالة أساسية في هذه الفترة، خصوصا وأن مضمون الرسائل الموجهة كانت تحمل رسائل دبلوماسية مباشرة الى سلطات الاحتلال الاسباني.

ولعل حيثيات الاستقبال الملكي، وظروف الاستعداد المحلي لاستقباله تعتبر رسالة واضحة الى كل الأطراف، وخاصة الدول المحتلة لباقي الأجزاء المغربية الأخرى، والتي يمكن أن نستنتج منها:

1-التشبث والارتباط القوي بالعرش المغربي والالتفاف حوله.

2-ارتباط المناطق المحتلة -الصحراء المغربية- بالعرش نظرا للمشاركة الفعالة لوفود القبائل الصحراوية في الاستقبال الذي خصص للسلطان بمحاميد الغزلان.

ب-حيثيات الزيارة لمحاميد الغزلان:

لا يمكن وصول جلالة السلطان إلى محاميد الغزلان إلا مرورا بورززات وزاكورة، المنطلق الأساسي لمحاميد الغزلان، وهذا ديدن السلطان لكونه يتفقد عددا من الرعايا في عدد من المدن والمناطق، التي يمر منها وبذلك يمكن القول إن زيارة محاميد الغزلان بدأت بوصول السلطان إلى ورززات يوم السبت 24 فبراير 1958م، حيث قدم وصفا كاملا لهذه الرحلة وبكل التفاصيل ضمن سلسلة أحداث ملحمة الاستقلال 1958م الوثيقة السادسة، بعنوان يرسخ مبدأ الوحدة الوطنية، وارتباط الصحراء بالوطن الأم، تحت عنوان: “الصحراء المغربية تستقبل جلالة الملك  بحفاوة عظيمة”، فأشارت أنه خلال وصول جلالة الملك المعظم الى ورززات كان الموكب الملكي يمر وسط ألاف المواطنين الذين هموا من مختلف النواحي لتحيته والهتاف بحياته، وكان جلالته ينزل من سيارته كلما وصل قرية من القرى ليرد على تحية سكانها، وفي مكان بعيد عن ورززات بخمسة عشر كليو متر كان في استقبال جلالته السيد ادريس المحمدي وزير الداخلية، الذي جاء خصيصا لهذه المهمة على متن الطائرة من الرباط.

ولما وصل جلالة الملك إلى ورززات في الزوال، كان السكان بأجمعهم في انتظاره، وكانت المدينة مزينة بالأعلام واقواس النصر، واللافتات والزرابي الجميلة،  وهناك ركب جلالة الملك متن سيارة جيب وقطع بواسطتها مسافة عشر كيلومترات الفاصلة بين ورززات وفندق “جي ديطاب” التابع لوزارة الأنباء والسياحة، وقد استقبل هناك جلالة الملك السيد احمد رضا كديرة وزير الأنباء والسياحة، وسر جلالة الملك عند وصوله إلى هذا الفندق خصوصا عندما وجد في استقباله وفدا يتكون من خمسين عاملا يشتغلون في المعادن الغربية من الناحية، وقد استفسر جلالته عن أحوالهم وعلم بهذه المناسبة أنهم يعملون في جو ودي للغاية، وأن لهم علائق طيبة مع مديري المناجم[10]، وتضيف السلسلة ان السلطان بعد تناول وجبة الغذاء مع الأسرة الملكية، وعند الساعة الخامسة مساء توجه لزيارة مستشفى ورززات حيث استقبل من طرف الدكتور فيكورو، كما زار أيضا معرض الصناعة التقليدية حيث أعجب أشد الإعجاب بالزرابي الجميلة ذات الصنع المحلي، وشجع الصناع على متابعة العمل في طريق التجديد الظاهر على إنتاجهم ليتناول وجبة العشاء في حفلة أعدها عامل ورززات السيد مولود النعيمي.[11].

أما يوم 26 فبراير 1958م كان يوما مهما في تاريخ الصحراء المغربية، وسكان محاميد الغزلان، حيث ألقى جلالته خطابا هاما، عنونته سلسلة أحداث ملحمة الاستقلال سنة 1958م بعنوان “صاحب الجلالة يؤكد أمام آلاف الصحراويين بالمحاميد، سنعمل كل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا وكل ما هو ثابت لمملكتنا بحكم التاريخ”[12]، بل من الأحداث المهمة التي قام بها السلطان في هذه الزيارة،  وخاصة بهذه المناطق الجنوبية، البوابة والمنطلق الأساس لاسترجاع باقي المناطق المحتلة، ترأسه لمجلس وزاري مصغر بمدينة زاكورة، ما حولها إلى عاصمة للدولة، ولو خلال هذا اليوم مما يعطيها دلالات سياسية بليغة كونها وجهت رسائل قوية، أو رسائل دبلوماسية مهمة لعدد من الأطراف، وبعد الانتهاء من أشغال هذا المجلس توجه السلطان مصحوبا بولي العهد والوزراء لتدشين مسجد محمد الخامس بزاكورة، وقد أقيمت حفلة بمحضر جماهير غفيرة من سكان الناحية الذين ابتهجوا كثيرا للقيام بتدشين بيت الله هذا، حيث كانت مدينتهم في اشد الحاجة إليه[13]. وتابع الموكب مسيرته نحو تدشين المستشفى الجديد بهذه المدينة، بحضور الدكتور فرج وزير الصحة والدكتور فيكورو طبيب اقليم ورززات[14].

ومن خلال هذا الوصف لمسار الرحلة الملكية منذ وصوله إلى مدينة ورززات، إلى حين تدشينه لمستشفى زاكورة، ومسجد محمد الخامس، يمكن أن نستنتج أن جلالة السلطان محمد الخامس، كان حريصا على القيام بأعمال لها مدلولات سياسية كبيرة جدا، تمثلت في الاهتمام القوي الذي يوليه السلطان للشعب، وذلك من خلال ترسيخ فكرة خدمة واهتمام الدولة بالشعب من خلال تدشين المستشفى بزاكورة، وزيارة مستشفى ورززات وتأكيده على الاهتمام بالمستشفى بشكل أكبر، بالإضافة لكونه قدم رسالة أخرى تبين البعد الديني والروحي للدولة المغربية بتدشينه لمسجد محمد الخامس، باعتبار المغرب قلعة من قلاع الإسلام، أما عقده لمجلس الوزراء المصغر، فقد حمل هذا العمل بعدا سياسيا كبيرا، وذلك باعتبار  زاكورة والصحراء المغربية قاعدة مغربية تحولت إلى عاصمة للدولة ولو خلال هذا اليوم، ما أكد العمق والارتباط بين الصحراء وباقي أجزاء المغرب. وهذا ما وضحه الخطاب الملكي أمام الجماهير الصحراوية بمحاميد الغزلان، بل مشاركة آلاف الصحراويين في الاستقبال المنظم لجلالته في المحاميد، مع تأكيد بيعة قبائل الصحراء لجلالته في هذه المدينة، جسد الارتباط القوي والمتجذر لدى قبائل الصحراء تجاه السلطان، والدولة المغربية، بالإضافة إلى كونها محطة تاريخية هامة ربطت الحاضر بالماضي، وذلك بتأكيده على أنها استمرارية لزيارة السلاطين العلويين لمناطق الصحراء وخاصة مولاي الحسن الأول. في الوقت الذي عملت على ربط الحاضر بالمستقبل، بإشارته إلى ما سيقوم به من أجل الحصول على الاستقلال، والعمل على توفير السعادة والهناء، والرخاء الاقتصادي، لأبناء هذه المناطق والشعب المغربي.

3-خطاب محاميد الغزلان الدلالات والعبر 26 فبراير 1958م.

أكد صاحب الجلالة أمام ألاف الصحراويين بالمحاميد بالقول سنعمل كل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا وكل ما هو ثابت لمملكتنا بحكم التاريخ. وفي جو من الحماس والابتهاج ألقى الملك محمد الخامس خطابا سياسيا مهما، أكد فيه أن جنابه الشريف سيعمل كل ما في وسعه لجمع شتات أجزاء صحراء المغرب الكبرى، إلى أم الوطن، وانتشالها من ربقة الاستعباد حتى تتمتع بحياة حرة هادئة تحت ظل العرش المغربي العتيد وفيما يلي نص خطاب جلالة الملك.

“الحمد لله

رعايانا الصحراويين الأوفياء، لقد كان من الأماني العزيزة علينا أن نزور هذا الجزء من الصحراء المغربية ونجتمع بساكنيه لنشعرهم بما نوليهم وإياها من الاهتمام ولنحيي سنة حسنة جرى عليها ملوك المغرب من قديم، فقد كان من عادتهم المألوفة أن يقوموا بزيارة الصحراء بين الحين والحين معترفين متفقدين لامين الشعب قاضين الحاجات، ناظرين في مصالح الرعية ساعين فيما يعود عليها بالخير العميم، وأن أخرهم وصولا إليها جدنا المنعم مولاي الحسن الذي بلغ إليها مرتين، ليؤكد وحدة المغرب وسيادة سلطته الشرعية على سائر أطرافه عندما بدأت المطامع الأجنبية فيها تخرج الأعناق.

ولقد تيسرت اليوم -ولله الحمد- الأسباب لتحقيق أمنيتنا القديمة وسنحت الفرصة لإحياء تقاليد سلفنا المجيد فجئنا إلى مطالع الصحراء ومن حق ساكنيها علينا أن نجيئ، فدرسنا شؤون كل مكان حللنا فيه، أو مررنا به في الطريق، واستمعنا الى المطالب والرغبات ونحن عاملون على تحسين أحوالكم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية وانالتكم حظوظكم من بركات الاستقلال وخيرات الحرية.

وإن مما يسعدنا أن يستقبلنا في قرية المحاميد التي هي باب صحراء المغرب، أبناء الذين استقبلوا جدنا في قرية أخرى من الركيبات وتكنة وأولاد دليم وسواها من قبائل الصحراء الشنقيطية، وان نستمع إليهم ومعهم فقهاؤهم وأدباءهم، وهم يؤكدون لنا كما أكد أباؤهم لجدنا تعلقهم بالعرش العلوي واستمساكهم بعروة المغرب الوثقى التي لا انفصام لها، و إننا نحيي نفوسهم الأبية وعزماتهم القوية، ونرحب بهم في وطنهم وبين أهلهم وعشيرتهم ونؤكد لهم بدورنا وليبلغ الشاهد منهم الغائب أننا سنواصل العمل بكل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا وكل ما هو ثابت لمملكتنا بحكم التاريخ، ورغبات السكان، وهكذا نحافظ على الأمانة التي أخذنا أنفسنا بتأديتها كاملة غير ناقصة ألا وهي ربط حاضرنا بماضينا، وتشييد صرح مستقبل مزدهر ينعم فيه جميع رعايانا بالسعادة والرفاهية والهناء، رعايانا الصحراويين الأوفياء، إن هذه الرحلة وما تخللها من شواهد الولاء والإخلاص، ستبقى صورتها منطبعة في ذهننا وصداها قويا على أن نحقق لأهل الصحراء آمالهم التي هي أمالنا وآمال كل مغربي حر ينشد لأمته حياة المجد والفخار والله الموفق للصواب”[15].

هذا الخطاب يحمل العديد من الدلالات، ويمكن أن يستنتج منه العديد من الرؤى الاستراتيجية لسياسة السلطان محمد الخامس، بالإضافة إلى بعث العديد من الرسائل السياسية للمجتمع الدولي آنذاك، وللقوى الإمبريالية التي لازالت تحتل بعض مناطق المغرب ومنها الصحراء المغربية، ويمكن أن نحدد بعضها فيما يلي:

1- تأكيد الخطاب على الوحدة المجالية للدولة المغربية، محاولا ربط تاريخها الماضي بحاضرها، مستشرفا المستقبل، واتضح هذا من خلال إشارته إلى أن هذه الزيارة جاءت في إطار إحياء سنة حميدة دأب عليها ملوك الدولة العلوية، الذين كان من عادتهم القيام بزيارة للصحراء لتفد رعاياهم بها، مؤكدين بذلك وحدة المغرب، وسيادة سلطته الشرعية على سائر أطرافه، منذ أن بدأت الأطماع الأجنبية تتجه نحو البلاد، وبذلك فقد حاول إبراز الحق التاريخي للدولة المغربية في صحرائه، وسلطته عليها في الماضي، مشيرا إلى العمل على تحريرها واستقلالها لتصبح مثل باقي المناطق المستقلة، بقوله في خطاب محاميد الغزلان “أننا سنواصل العمل بكل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا، وكل ما هو ثابت لمملكتنا بحكم التاريخ ورغبات السكان”.

2- ارتباط سكان الصحراء بالدولة المغربية في إطار من الاستمرارية، وذلك من خلال الإشارة إلى تأكيد سكان المنطقة بالبيعة، كما أكد آباؤهم للسلطان مولاي الحسن الأول، وتعلقهم بالعرش المغربي، وهذا ما تجسد من خلال استقبال السلطان أثناء هذه الزيارة لممثلي وشيوخ وأبناء القبائل الصحراوية وتلقي بيعتهم وولاءهم، ولعل هذا ما يستشف من العبارات الواردة في الخطاب السلطاني من قبيل قوله: “رعايانا الصحراويين”، إلى جانب ذكرى أسماء بعض القبائل الصحراوية التي بايعت السلطان خلال هذه الزيارة لتأكيد استمرارية بيعتها للعرش العلوي، بعدما بايع أباءهم وأجدادهم جد السلطان الحسن الاول، وقد ذكر الركيبات وثكنة وأولاد دليم، وقبائل الصحراء الشنقيطية، لعل هذا ما يبين الارتباط التاريخي القوي الموجود منذ القديم بين سكان الصحراء والسلاطين والملوك المغاربة، الى جانب الاستقبال الحماسي الذي جسده أبناء الصحراء للسلطان محمد الخامس، وهذا ما أكده الحاج النعماني البالغ من العمر 86 سنة 2014م في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء “شرعنا لعدة أسابيع في الاستعداد لاستقبال الموكب الملكي. كنا نود رؤية محرر البلاد عن قرب والاحتفال بالاستقلال الذي تم تحقيقه قبل سنتين من تاريخ الزيارة”.

3- يعتبر الخطاب الملكي في محاميد الغزلان، رؤية مستقبلية لبناء الوطن، وتوحيد مجاله الجغرافي، والدعوة لتحرير ما تبقى من المناطق المحتلة، بمحاميد الغزلان بوابة الصحراء، وبحضور أبناء المناطق المحتلة بقوله: “سنواصل العمل بكل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا، وكل ما هو ثابت لمملكتنا بحكم التاريخ ورغبات السكان، وهكذا سنحافظ على الأمانة التي أخذنا على أنفسنا بتأديتها كاملة غير ناقصة” و لعل هذا ما يمكن أن نستشف منه أن السلطان يتعهد بالاستمرار في المقاومة، وربط المناطق الجنوبية بالشمالية، وبالتالي تحطيم الحدود المصطنعة بين أجزاء الدولة المغربية مشيرا إلى تبليغ الحاضر من سكان الصحراء الغائب منهم، ولعل هذا ما سيتحقق مع الملك الراحل الحسن الثاني، في استكمال الوحدة الترابية للمملكة بتنظيم المسيرة الخضراء، وتلقي بيعة سكان واد الذهب.

4- يمكن اعتبار هذا الخطاب وثيقة تعاهد بين السلطان وسكان الصحراء، الذين بايعوه كما بايع آباؤهم جده الحسن الأول في الوقت الذي أكد على مواصلة النضال من أجل تحرير بلادهم وربطها بالمجال المغربي، والعمل على إسعادهم وتحقيق الرفاهية لهم.

5- يعتبر الخطاب الملكي بمحاميد الغزلان إعلان عن نهاية تجزئة الدولة المغربية وتقطيع أوصالها، إلى ثلاث مناطق احتلال، وذلك بالتأكيد على ربط كل المجالات المغربية ببعضها البعض، وتوحيد الشعب المغربي قاطبة تحت قيادة موحدة تجسدت في البيعة التاريخية لسكان الصحراء للعرش المغربي.

6- يبقى الخطاب الملكي في محاميد الغزلان وثيقة تاريخية مهمة جدا، تجسد جزءا من تاريخ الصحراء في ارتباطه بالتاريخ المغربي، بالإضافة إلى كونه محطة أساسية في إعطاء تصور للمغرب الجديد للمساهمة في ترسيخ مفهوم الوطنية المغربية، المبنية على الحقائق التاريخية والشواهد الدالة للارتباط العميق بين الصحراء المغربية وباقي أجزاء التراب المغربي تاريخيا شعبيا ومجاليا.

خاتمة:

لا يمكن اعتبار زيارة السلطان المغربي محمد الخامس لمحاميد الغزلان محطة تاريخية عابرة فقط، بل تعتبر محطة مهمة في ترسيخ الوعي التاريخي لدى المغاربة وجيل المستقبل بشكل أساس، لأن معرفة تاريخ الوطن، وأحداثه ودراستها بوعي مع استحضار المقومات الوطنية تسهم في التمسك به، وترسيخ الوطنية الحقيقة، التي بدأت تفقد لدى البعض للأسف الشديد نظرا للجهل المطبق بتاريخ الوطن ومقوماته، لأن من يجهل شيئا يعاديه، ومن يعرفه يتمسك به، لذلك فلابد من اعتبار  زيارة محاميد الغزلان محطة تاريخية لها أهميتها في صناعة تاريخ المغرب المعاصر، ورؤية مستقبلية لبنائه وتطوره، مما يستوجب تخصيص دراسات، ومؤلفات حولها ، حتى يتم التعرف عليها واستنباط الدروس والعبر المستوحاة منها، بالإضافة إلى ربط ماضي هذه الأمة بحاضرها، من أجل المساهمة الفعالة في بناء مستقبلها، وذلك بمساهمة كل المعنيين في ذلك من أساتذة وباحثين وإعلاميين وبرامج دراسية بكل أسلاكها، إلى جانب دور جمعيات المجتمع المدني في الانخراط في ترسيخ الوعي لدى المغاربة، وخاصة الوعي التاريخي والتعريف بتاريخ هذا الوطن. وبكل المحطات الأساسية المؤثرة والفاعلة في صناعة أحداث التاريخ الوطني، بهدف تخريج وصناعة الإنسان الواعي والمتشبث بوطنه، والمتطلع والعارف بكينونات تاريخه وأحداثه حتى يصبح العنصر المساهم في ترسيخ وتبني الوطنية الصادقة والواعية بفقه واقعها.

المصادر والمراجع

– من نص الخطاب التاريخي الذي ألقاه السلطان محمد الخامس بمدينة طنجة 1947م مجلة دعوة الحق العدد 316، سنة 2010م.

– جامع بيضاء: سدي محمد بن يوسف، السلطان الوطني 1427-1961م مجلة المناهل عدد 77 – 78، 2006م.

– نص مداخلة الأستاذ هاشم العلوي القاسمي أثناء الدورة السابعة عشرة لجامعة المولى علي الشريف، حول السلطان سيدي محمد بن يوسف، الندوة الافتتاحية بمدينة الريصاني، 16-17 نونبر 2012م.

– محمد امراني علوي: وثيقة 11 يناير وترسيخ مفهوم الوطنية والمواطنة، مطبعة الودغيرين طبعة أولى، الرشيدية 2011م.

– محمد امراني علوي: حيثيات وأبعاد ودلالات تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وجيش التحرير طبعة ثالثة، 2012م.

– محمد المغراوي: كرونولوجيا مسيرة التقرير بقيادة جلالة الملك محمد الخامس مجلة دعوة الحق، عدد 398، 2010م.

– انظر نص الخطاب الذي ألقاه السلطان محمد الخامس بمدينة طنجة سنة 1947م، مجلة دعوة الحق، العدد 398، سنة 2010م.

– محمد العلمي: محمد الخامس وتاريخ استقلال المغرب، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الطبعة الثالثة، الرباط، 2011م.

– سلسلة أحداث ملحمة الاستقلال، 1958م.


[1] – من نص الخطاب التاريخي الذي ألقاه السلطان محمد الخامس بمدينة طنجة 1947م، مجلة دعوة الحق العدد 316، سنة 2010م.

[2] – جامع بيضاء، سيدي محمد بن يوسف، السلطان الوطني 1427-1961م، مجلة المناهل عدد 77 – 78، 2006م، ص: 45

[3] – نفسه، ص: 46.

[4] – نص مداخلة الأستاذ هاشم العلوي القاسمي أثناء الدورة السابعة عشرة لجامعة المولى علي الشريف، حول السلطان سيدي محمد بن يوسف، القدرة الافتتاحية، بمدينة الريصاني، 16-17 نونبر 2012م.

[5] – محمد امراني علوي: وثيقة 11 يناير وترسيخ مفهوم الوطنية والمواطنة، مطبعة الودغيرين طبعة أولى، الرشيدية 2011م. وحيثيات وابعاد ودلالات تقديم وثيقة منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وجيش التحرير طبعة ثالثة، 2011، ص: 121.

[6] – جامع بيضا، مرجع سابق، ص: 493

[7] – محمد المقراري: كرنولوجيا مسيرة التقرير بقيادة جلالة الملك محمد الخامس مجلة دعوة الحق، عدد 398، 2010م، ص: 25.

[8] – انظر نص الخطاب الذي ألقاه السلطان محمد الخامس بمدينة طنجة سنة 1947م، مجلة دعوة الحق، العدد 398، سنة 2010م.

[9] – محمد المغراوي، م.س ص: 31، ومحمد العلمي: محمد الخامس وتاريخ استقلال المغرب.

[10] – سلسلة إحداث ملحمة الاستقلال، 1958م، م س، ص: 33.

[11] – نفسه، ص: 34.

[12] – نفسه، ص: 34 وسنفرد عنوان خاص لهذا الخطاب ضمن هذه الدراسة يتم فيه تحليل مضامين الخطاب والدلالات والعبر المستوحاة منه.

[13] – سلسلة احداث ملحمة الاستقلال، م.س، ص: 35-36.

[14] – نفسه.

[15] – سلسلة أحداث ملحمة الاستقلال، م.س، ص: 34 – 35.