الحمد لله الذي امتن على عباده المؤمنين بإرسال الرحمة المهداة للعالمين، فجعله نورا يهدي به إلى صراط الله المستقيم، وأمره بتبليغ الدين لمن أراد الوصول إلى أسنى المطالب وأفضل الرغائب، فقال في الكتاب العزيز: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾[1] ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على النبي المختار، القائل في الصحيح عنه: «ليُبَلّغ الشَّاهدُ الغَائب فإنَّ الشَّاهدَ عَسَى أَن يُبَلِّغَ مَنْ هُو أَوْعَى لَه مِنْهُ»[2]، وعلى آله الأخيار، وصحبه الأبرار، صلاة تغفر بها الذنوب، وتستر العيوب، وتكفينا بها همي الدنيا والآخرة.
وبعد؛
فإنه لا يخفى على ذي لب التباين الحاصل بين ما يدعو إلى الدين القويم من إصلاح الأقوال والأفعال، وبين واقع النّاس الذي يتردى في المهالك، فلا تخطئ العين مظاهر رقة التدين، وابتعاد فئات كثيرة من المجتمعات عن تعاليم الإسلام الرامية إلى تحقيق السعادة في الدارين، والحرص على ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وليس السياق الإفريقي نشازا، من واقع الأمة مع ما يبذل من جهود طيبة، نرجو أن تغرس غراس خير، تكون شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ومن ذلك تدارس أنجع السبل للوصول إلى ما ينفع النّاس في البلدان الإفريقية، ولعل الجهد الطيب الذي أنتج وثيقة “ميثاق العلماء الأفارقة”، يعتبر من السبل السالكة، إذ يبيّن مهام العلماء وقيامهم بأمانة التبليغ؛ “إن لعالم الأمة مشروعية كبرى توجب عليه أن يؤدي حق علمه في أي مكان أوجده الله فيه، بإحسان تبليغه، وإجادة تقريبه، وتحصيل النّفع الـمُمْكِن به النيابةُ عن النبي صلى الله عليه وسلم في تلقينه، والاقتداء به في تمثيله، مع الحرص على الدعوة إلى الخير وتحقيق الهداية المرجوة لأتباع ملته صلى الله عليه وسلم”[3]، ولرفع اللبس عن المعاني المقصودة، كان من المناسب سبر المحاور الأساسية لتقريب الفهم لما ينبغي تصوره لإنجاز خطة متكاملة لسبل لتبليغ.
إن مهمة التبليغ من أعظم وأخطر المهام، لذلك كان اختيار صفوة البشر لحمل أمانة ناءت بها السماوات والأرض، فاختار الله تعالى الرسل عليهم السلام مبشرين ومنذرين لإقامة الحجّة والهداية إلى الـمَحجَّة، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿رُسُلاً مُّبَشّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِيلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾[4]، قال صاحب الجامع لأحكام القرآن[5]: ” ﴿ومُنْذِرِينَ لِيلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بعْدَ الرُّسُلِ﴾ فيقولوا ما أرسلت إلينا رسولا، وما أنزلت علينا كتابا، وفي التنزيل: ﴿ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتَّى نَبْعَثَ رسُولاً﴾[6]“.
هذا من فضل الله على الناس، أن تكون البشارة لمن أطاع الله ليسلك سبيل الهدى، بالسعادة الدنيوية والأخروية، والنذارة لمن عصى وخالف ونكص على عقبيه، بالحذر من الشقاوة والخسران المبين في الدارين، ولما كان شأن أمر التصديق موجبا للنجاة وطريقا للفوز والفلاح، ترتب عنه مزيد عناية بالمبلغين، إذ ليست الغاية إخراج المكلفين من دائرة الدين، وإنما المطلب الأقصى أن يدخل الناس في دين الله أفواجا، ولا يكون شيء من ذلك إلا بالتمسك بالأصول والحرص على هداية كل الناس إلى دين الرحمة.
وتسديد التبليغ يكون بوسائل تبين الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، يقول الله تبارك وتعالى في الكتاب العزيز: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾[7]، قال صاحب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن[8]: ” قوله تعالى: ﴿وجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أمر الله – جلَّ وعلا- نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يجادل خصومه بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة: من إيضاح الحق والرفق واللين”، إن كان هذا حال الأمر مع المخالف في الملة، فما بالكم بالأخ في الملة، وهذا المعنى بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله يحب الرفق في الأمر كله»[9]، قال صاحب فتح الباري[10]: “الرفق هو لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل، وهو ضد العنف، وقوله: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله». في حديث عمرة عن عائشة عند مسلم: إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، والمعنى أنه يتأتى معه من الأمور ما لا يتأتى مع ضده، وقيل: المراد يثيب عليه ما لا يثيب على غيره”.
إذ الرغب أن يُبين للنّاس أمر دينهم، ليعلموا ما يجلب رضا الرب جل جلاله فيتبعوا رضوانه، وما يدفع سخطه فيجتنبوه، وليس القصد تنفير الناس ولا التعسير عليهم عملا بمبدأ رفع الحرج، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾[11]، قال صاحب تفسير القرآن العظيم[12]: “وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم بشيء فشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا”، وقاعدة رفع الحرج من أعظم القواعد التي تؤسس لمظاهر الرفق في دين الرحمة، وفيها من بيان سماحة الشريعة والتخفيف على الناس بالرخص الشرعية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّي أُرسلتُ بحَنيفيةٍ سمْحَةٍ».[13]
إن الحديث عن رد مسألة سبل التبليغ إلى الأصول الشرعية، يعني النظر في موارد الشريعة بشأن الغاية من البلاغ، والتقيد بمبدأ التيسير دون التعسير، وهو ما أكد عليه ميثاق العلماء[14]: “والمراد به النأي عن كل ما يحرج النّاس ويُعسِّر عليهم مسائل معايشهم، ويُكَرِّهُهُمْ في قبول أحكام دينهم، وهو من كليات الدين القطعية التي تعدد فيها التَّناقُل قرآنا وسنة، ومِن ثَمَّ مقصدا، وقد تعددت الآيات الرافعة للعسر والرافضة للحرج في أحكام الشريعة التي جاءت أصالة لمصلحة العباد وإسعادهم، مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾[15]، وقد أكدت السنة هذا المقصد، وأوجبت التيسير حتى لا يُكَلَّفَ الناسُ ما لا يطيقون، وحتى لا يُنَفَّر الناسُ عن تنفيذ أحكام الدين، ومما ورد في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين»[16]“، قال صاحب فتح الباري[17]: “قوله: (فإنما بعثتم) إسناد البعث إليهم على طريق المجاز لأنه هو المبعوث – صلى الله عليه وسلم- بما ذكر لكنهم لما كانوا في مقام التبليغ عنه في حضوره وغيبته أطلق عليهم ذلك إذ هم مبعوثون من قبله بذلك أي مأمورون، وكان ذلك شأنه – صلى الله عليه وسلم- في حق كل من بعثه إلى جهة من الجهات يقول: «يَسّرُوا ولا تُعسّرُوا»”.
وأولاها بالتناول القول السديد المفضي إلى تغيير الأوضاع من صلاح الأعمال، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿يَأيُّهَا الّذِينَ ءاَمَنُواْ اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[18]، قال صاحب الجامع لأحكام القرآن[19]: “والقول السّداد يعم جميع الخيرات”، وقال صاحب التحرير والتنوير[20]: “ويشمل القول السديد ما هو تعبير عن إرشاد من أقوال الأنبياء والعلماء والحكماء، وما هو تبليغ لإرشاد غيره من مأثور الأنبياء والعلماء، فقراءة القرآن على الناس من القول السديد، ورواية حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من القول السديد، وفي الحديث :«نّضَّر اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَأدّاهَا كَما سَمِعَهَا»، وكذلك نشر أقوال الصحابة – رضي الله عنهم- والحكماء وأيمة الفقه، ومن القول السديد تمجيد الله والثناء عليه مثل التسبيح”.
ثم إن القول السديد يشمل الكلام الطيب الذي يرفعه الله ويتقبله في كفة الأعمال الصالحة، وهو يعم كل ذكر ودعاء، وتلاوة للقرآن، وتعليم العلم، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيّبُ والعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾[21]. قال صاحب الدر المنثور[22]: ” وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيّبُ﴾، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أداء الفرائض، الذكر، القرآن، الدعاء، يرفع الله العمل الصالح لصاحبه”.
أما في السنة النبوية المطهرة، فمظاهر رفع الإصر عن الأمة بادية، وتسديد التبليغ بالسماحة واليسر والحض على لزوم الصواب وما يحقق النفع، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الدّينَ يُسْرٌ ولنْ يُشَادّ الدّين أحَدٌ إلّ غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا وأَبْشِرُوا واسْتَعِينُوا بِالغدْوَة والرّوْحَة وشَيْء منَ الدّلْجَةِ»[23]، قال صاحب فتح الباري[24]: “قوله : «فسددوا» أي: الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط، قال أهل اللغة: السداد التوسط في العمل، قوله: «وقاربوا» أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه”، ولما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُواْ»[25]، قال صاحب فتح الباري[26]:”أي الزموا الطريق الوسط المعتدل”، ولما في الصحيح من حديث أبي بردة عن أبيه عن جده قال: لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل قال لهما: «يَسّرَا ولا تُعَسّرا وبَشّرَا ولا تُنَفّرا وتطَاوَعَا»[27].
إن العمل على تبليغ الدين بما ينفع الناس، يقتضي تقريب المفاهيم والمعاني الحاملة لروح الشريعة الغراء، إذ بها تحصل العدة لمباشرة مهمة البلاغ، وما رأيناه سابقا من إيضاح لتسديد التبليغ من جهة التأصيل، لا بد أن يعقبه تناول بعض المصطلحات التي ينبغي أن يتناولها العالم عند تصدره لتنوير العقول، لما فيها من ثمار طيبة؛ طمأنينة القلب، وسكون النفس، وعدم الالتفات إلى بُنَيَّات الطريق، والشعور بالسعادة المفضي إلى الإحسان في القول والعمل.
من ثمار تسديد التبليغ تنبيه الغافلين على سلوك سبيل العارفين، حيث السعي إلى تحقيق ما وعد الله به عبادة الذين يعملون الصالحات من حياة هانئة لا تنغصها الشواغل، ولا يكدر صفوها اللهث وراء الملذات والمشغلات، يعيش صاحبها بنفس مطمئنة لا يساورها قلق لقوة اليقين بوعد الله الصادق لا يخلف الله وعده، يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَواةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[28]، قال صاحب تفسير القرآن العظيم[29]: “والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت”، وقال صاحب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن[30]: “وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية: حياته في الدنيا حياة طيبة؛ وتلك القرينة هي أننا لو قدرنا أن المراد بالحياة الطيبة: حياته في الجنة في قوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَواةً طَيِّبَةً﴾، صار قوله: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، تكرارا معه؛ لأن تلك الحياة هي أجر عملهم، بخلاف ما لو قدرنا أنها في الحياة الدنيا؛ فإنه يصير المعنى: فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة، ولنجزينه في الآخرة بأحسن ما كان يعمل، وهو واضح”.
2. السعادة الدنيوية والأخروية:
من الثمار اليانعة لتسديد التبليغ؛ أن يلفت المبلّغ نظر السامعين إلى قاعدة قرآنية عظيمة، تضمنتها سورة البقرة، فيها دعوة لتحقيق التوازن بين العمل الدنيوي والأجر الأخروي، إذ تغليب أحدهما على الآخر يجلب الإفراط أو التفريط، وكلاهما مذموم في عرف الشارع، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ومِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةَ حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾[31]، قال صاحب الجامع لأحكام القرآن[32]: “﴿ومِنْهُمْ﴾ أي من الناس، وهم المسلمون يطلبون خير الدنيا والآخرة”، وهذا هو الاعتدال المحمود، وهو من صفات الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وقد نص عليه ميثاق العلماء الأفارقة[33]: ” الاعتدال: أي بين طرفي الإفراط والتفريط؛ لأنه وصف الرسالة، ونعت صاحبها الذي بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، وميزة هذه الأمة المرحومة، وعلامتها المتفردة التي نص عليها في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾[34]. ووضح النبي صلى الله عليه وسلم أن الاعتدال من خصائص النبوة الموروثة في قوله: «إن الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد؛ جزء من خمس وعشرين جزءا من النبوة»[35]“.
وقال صاحب تفسير القرآن العظيم[36]: “﴿ومِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةَ حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الأخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام”.
من ثمار تسديد التبليغ السعي إلى بلوغ أعلى مراتب الإحسان، وذلك بتزكية النفس بالتخلية من الرذائل والتحلية بالفضائل؛ زكى نفسه بتطهيرها من رجس الذنوب أولا، ثم تنميتها بالأخلاق الفاضلة ثانيا، وسبيل هذين العلم النافع والعمل الصالح، ليحصل السالك على الفلاح الذي هو من أسنى رغائب أهل الإيمان، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾[37]، قال صاحب الجامع لأحكام القرآن[38]: “أفلح: فاز من زكاها” ، وقال صاحب التحرير والتنوير[39]: “والفلاح: النجاح بحصول المطلوب، والخيبة ضده، أي يحرم الطالب مما طلبه، فالإنسان يرغب في الملائم النَافع، فمن الناس من يطلب ما به النفع والكمال الدائمان، ومن الناس من يطلب ما فيه عاجل النفع والكمال الزائف، فالأول قد نجح فيما طلبه فهو مفلح، والثاني يحصل نفعا عارضا زائلا وكمالا مؤقتا ينقلب انحطاطا، فذلك لم ينجح فيما طلبه فهو خائب، وقد عبّر عن ذلك هنا بالفلاح والخيبة كما عبر عنه في مواضع أخرى بالربح والخسارة”.
ثم إنه من تزكية النفس استشعار مقام المراقبة، وحضور القلب بالذل والانكسار، ورؤية التقصير في جنب العليم الخبير، وتطهير القلب من درن العجب والتكبر والرياء، قال صاحب مطهرة القلوب[40]:
فَقُلْتُ بَادِئاً بِقَلْبِ البَدْءِ إِذْ هُوَ أَشْرَفُ مَعَالِي البَدْءِ
فَادُبْ مَعَ اللَّهِ عَلاَ وَجَلاَّ بِأَنْ تُلاَزِمَ الْحَيَا وَالذُّلاَّ
مُنْكَسِراً تَحْتَ الحَيَا وَخَاضِعَا تَحْتَ المَهَابَةِ إِلَيْهِ ضَارِعَا
مُلْغٍ مُرَادَكَ إِلَى مُرَادِهِ خَالٍ مِنَ الطَّمَعِ فِي عِبَادِهِ
قال في نخبة المطلوب من شرح مطهرة القلوب[41]: ” “فأدب” أمر من أدب كظرف أي تأدب “مع الله علا وجلا”، وذلك “بأن تلازم الحيا” بالمد وهو تغيُّرٌ يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وشرعا خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذوي الحق، وقد عده في نور البصر مما يبعث على التقوى.. قال: وهو مقام المراقبة، وقال الجنيد: رؤية الآلاء، – أي النعم- ورؤية التقصير تتولد من بينهما حالة تسمى الحياء”.
إن تفعيل منظومة قيم الدين وأخلاقه في مجالات حياة الناس، وتقوية عرى العلائق بين العلماء وعامة المجتمع، يمثل صمام أمان لضمان تبليغ سديد، ولا يتحقق ذلك إلا بتضييق مساحة التواصل، ووجود مقدمات ممهدات لعملية التبليغ، ولعل من خصوصيات السياق الإفريقي، توفر أرضية صالحة للتبليغ، ومحبة فطرية للتدين وثوابت دينية مشتركة، وجهات تتولى تدبير الشأن الديني في جل البلدان الإفريقية، ويمكن تنسيق العمل وتنظيم المبادرات، والحرص على عدم إضاعة الجهود، يعين على ذلك وسائل التبليغ والتكوين المختلفة، ووضع برامج تتناسب مع القدرات المعرفية للمخاطبين، والحرص على توجيه خطاب يراعي أحوال المكلفين، وتفاوت مستوياتهم التعليمية وخصوصياتهم الجبلية والمجتمعية، فما يناسب الشباب الجامعي مثلا، قد لا يناسب الفئات ذات التعليم المحدود، وما يناسب ربات الأسر، قد لا يتلاءم مع الفتيات واحتياجاتهن نحو فقه الواقع، يضاف إلى ذلك ما تعاني منه القارة من نزاعات تحتاج إلى التصدي لها بأنموذج يراعي الخصوصية ويحفظ الثوابت.
إن العناية بتعليم القرآن الكريم والسنة المطهرة من توفيق الله تعالى لعباده في التبليغ، إذ لا يسع المؤمن جهل أصول الشريعة من كتاب وسنة، وفيهما ما ينفع النَاس من العلم الشرعي المفضي إلى السعادة في الدنيا والنجاة في الأخرى، وبتمكين المبلغين من ناصية العلم ينتفي دخن الجهل والتنطع والغلو والشطط في الفهم، إذ كلما استنار الفهم بنور الوحي تراجع ظلام الجهالة حتى ينقشع عن بصيرة الهداية، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي للَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾[42]، قال صاحب التحرير والتنوير[43]: “ففيه إيماء إلى ضمان سلامة أمة القرآن من الحيدة عن الطريق الأقوم؛ لأن القرآن جاء بأسلوب من الإرشاد قويم ذي أفنان لا يحول دونه ودون الولوج إلى العقول حائل”.
ومن معالم تسديد التبليغ، ونشر معاني الحياة الطيبة بين فئات المجتمعات الإفريقية، ما تسعى إليه مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة من أهداف سامقة[44]، لتحقيق عناية فايقة بالأصول الشرعية، وأولاها الكتاب والحكمة؛ القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف[45]، وكل جهد يبذل في سبيل التحفيظ والفهم، هو عمل محمود وسعي مشكور، وبه يحصل الأرب بالتبليغ المأمور به شرعا، وبه تنال الرغائب، قال صاحب فتح الباري[46]:” أولى ما صرفت فيه نفائس الأيام، وأعلى ما خص بمزيد الاهتمام: الاشتغال بالعلوم الشرعية المتلقاة عن خير البرية، وهذه لا يرتاب عاقل في أن مدارها على كتاب الله المقتفى، وسنة نبيه المصطفى – صلى الله عليه وسلم- وأن باقي العلوم آلات لفهمها، وهي الضالة المطلوبة، أو أجنبية عنها وهي الضارة المغلوبة”.
وتتجلى مظاهر نشر تعليم الوحيين في تنظيم المسابقات الكبرى في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وتحفيز المتسابقين من جميع البلدان الإفريقية على المشاركة فيها، وذلك بواسطة تنويع فروع المسابقات لتوائم مختلف الفئات العمرية والمستويات المعرفية[47]؛ أولا المسابقة القرآنية (صنف الحفظ الكامل مع الترتيل برواية ورش عن نافع، صنف الحفظ الكامل مع الترتيل بباقي الروايات، صنف حفظ خمسة أحزاب على الأقل مع التجويد)، ثانيا المسابقة الحديثية (صنف حفظ أربعين حديثا سندا ومتنا، دون السؤال عن رواتها ومعاني ألفاظها، صنف حفظ ثلاثين حديثا مع ذكر من انتهت إليه رواية الحديث وفهم دلالة ألفاظها، صنف حفظ عشرين متنا من أحاديث الأحكام مع بيان ما تضمنته من فوائد فقهية).
ثم إنه من الأصول المعتمدة في المذهب المالكي وغيره من المذاهب السنية المعتبرة؛ الأصلان المتفق عليهما؛ وهما الكتاب العزيز والسنة المطهرة، إذ كل المذاهب السنّية تنهل من معين الوحي الصافي[48]، وهما جماع المشترك الأصولي، قال صاحب البحث في المشترك الأصولي لدى المذاهب السنية[49]: “وما درج عليه سلف هذه الأمة مما نطق به القرآن أو ورد في بيان سيد المرسلين والعلماء الصاحين”، ومن أصول الإمام مالك -رضي الله عنه- التي ذاع صيتها في الآفاق ما أدرك عليه أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ فيها أخذ الصحابة -رضي الله عنهم- دقائق أفعاله الشريفة، قال صاحب ترتيب المدارك[50]: ” قال ابن القاسم وابن وهب: رأيت العمل عند مالك أقوى من الحديث”، ويقتضي ذلك مزيد عناية بقراءة أهل المدينة، وهي أكثر القراءات امتدادا في البلدان الإفريقية، حيث كان إشعاع سناها من مميزات التدين الإفريقي، ربما لاقترانها بالمذهب المالكي المكين في الربوع الإفريقية؛ وهي قراءة الإمام نافع المدني الذي كان يفوح من فمه الطيب، قال صاحب مفاتيح المعاني لحرز الأماني[51]: “لقد نعته الشاطبي بكريم السر في الطيب لما ورد أنه كان يفوح من فمه العطر حينما يقرأ القرآن وقد ذكر هو نفسه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فتفل في فمه، ومن ذلك الحين صار الطيب ملازما له”، وقال صاحب حلقات في مقرأ الإمام نافع[52]: “الإمام نافع هو أحد القراء السبعة وهو قارئ المدينة توفي عام 169ه وقد صلى في الحرم النبوي مدة ستين سنة، وأخذ عن سبعين من القراء، والإمام نافع كان معاصرا للإمام مالك، وقد ذكر الإمام مالك أن قراءته سنة، وقد أخذ عن الإمام مالك الفقه وأخذ عنه الإمام مالك القراءات”، من أجل ذلك على العلماء بذل مزيد من الجهد لنشر قراءة الإمام نافع بين فئات المجتمع.
من السبل القويمة للتبليغ وفق ما يحقق النفع للمخاطبين، مراعاة أحوال المكلفين، واعتبار السياق والحال والمآل، لما تضافرت عليه نصوص الشرع من مراعاة الحال في تنزيل النص الشرعي، من ذلك الآيات الدالة على التخفيف لوجود عذر شرعي، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى المَرْضَى وَلاَ عَلَى الّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾[53].
فعلى المتصدرين لتعليم النّاس اختيار الألفاظ المناسبة، والنظر الدقيق في المناط الخاص والحذر من إطلاق الأحكام، إذ قد تخرج الكلمات دون عرضها على مسبار المصلحة المعتبرة، فتأتي النتائج على خلاف المراد؛ فكل ما يجلب المصلحة المعتبرة شرعا مأذون فيه، وكل ما يدفع المفسدة المعتبرة شرعا منهي عنه، والفيصل في الأمر عرض المصالح والمفاسد على حقائق الشرع، قال صاحب الموافقات[54]:” فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعا؛ ولتحصيلها وقع الطلب على العباد، ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل، وليكون حصولها أتم وأقرب وأولى بنيل المقصود، على مقتضى العادات الجارية في الدنيا، فإن تبعها مفسدةٌ أو مشقَّةٌ فليست بمقصودة في شرعيَّة ذلك الفعل وطلبه”.
ثم إن السياق المجتمعي قد يتحكم فيه عرف معين فلا ينبغي تجاوزه عند إعمال أدوات التبليغ، فعلى سبيل المثال، في بعض المجتمعات لا يستساغ حضور النساء لبعض الأنشطة العلمية، ما يتطلب شيئا من التؤدة في تنفيذ خطة تسديد التبليغ لاختلاف البيئات والعادات.
أما النظر في المآلات فينبغي أن يكون باعثا على التريث في الإقدام والإحجام معا، لما في عدم ضبط تعامل العلماء مع الوقائع من مزالق قد لا تحمد عقباها، والأصل في اعتبار المآل قول الحق تبارك وتعالى في الكتاب العزيز: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾[55]، قال شيخ المفسرين[56]: “قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله من الآلهة والأنداد، فيسب المشركون الله جهلا منهم بربهم، واعتداء بغير علم”، فلا بد من مراعاة المآل الجاري على مقاصد الشريعة[57]؛ “ويُراد به الحذر من الاكتفاء بحال حاضر الفعل من خلال إجراء الأحكام على مقتضى ظاهرها، دون لحاظ آثار الحكم في الآجل التي قد تكون على خلاف المقصود منها عند التنزيل”.
إن حياة العقول بالعلم، وحياة القلوب بالتزكية، وحياة البصائر بالفهم، وكل ذلك يجتمع في تبيين الحق وتبليغ الدين بالوسائل المرضية، لهذا أولت الشريعة أهمية قصوى لأفنان الإيضاح، ليسهل على السامع استيعاب الخطاب، من أجل ذلك رفع الشرع من شأن العلم وأعطاه عناية خاصة لما فيه من إحياء العقول والأرواح، فكانت أول آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تحث على القراءة، يقول الله تبارك وتعالى:﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾[58]، قال صاحب الجامع لأحكام القرآن[59]: “هذه السورة أوّل ما نزل من القرآن؛ في قول معظم المفسرين”. ولما رفع الإسلام من شأن العلم، جعل الوسائل المستخدمة في تبليغه للناس تحوز مكانة خاصة، وقد ثبت في السنة الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبين أقواله وينبّه أصحابه رضي الله عنهم، تارة بوسائل بصرية وسمعية وتارة بالإشارة، وأخرى بالحركة، وما ذلك إلا للحض على الأوامر والنواهي بشتى الطرق، ليستقر ذلك في أذهانهم وتحفظه العقول قبل الأسماع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « لِيُبلِّغ الشَاهِد الغَائِب فإِنَّ الشَّاهِد عَسى أَنْ يُبَلّغ مَنْ هو أوْعَى لَهُ مِنْه»[60]، قال صاحب فتح الباري[61]: “والمراد: رب مبلغ عني أوعى-أي: أفهم- لما أقول من سامع مني”، وهذا المعنى حسن لما فيه من طلب الفهم قبل الحفظ، لأن انقداح المعنى في الذهن معين على إدراك المراد، وقد تعددت وسائل التعليم النبوية للصحابة الكرام رضوان الله عليهم بحسب ما يقتضيه المقام.
كان من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الحرص على هداية كل الناس، وبذل الجهد في تبليغ الدين والفهم عن الشارع، حتى أنه يلزم نفسه الشريفة المشقة لأجل أن يؤمن بهذه الدعوة الجميع، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾[62]، قال صاحب الجامع لأحكام القرآن[63]: “﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ أي قاتل نفسك ومهلكها، ﴿أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي لتركهم الإيمان”، من أجل ذلك بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، فما ترك سبيلا للبيان إلا وسلكه – صلى الله عليه وسلم-.
ثم إن تصرفه بالتبليغ يعم الأمة، قال صاحب الفروق[64]: “فكل ما قاله صلى الله عليه وسلم أو فعله على سبيل التبليغ، كان ذلك حكما عاما على الثقلين إلى يوم القيامة”، ومن ذلك ما ثبت في الصحيح عنه من التعليم بتشبيك الأصابع، والبيان باليد، والتعليم بإمساك اللسان، والبيان بالحركة، وغير ذلك من صنوف التعليم والبيان، ولكل سائر على نهجه أن يقتدي بمنهجه في التبليغ للحرص على ما ينفع الناس.
إن النبي –صلى الله عليه وسلم- هو المبين عن الله تعالى، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾[65]، قال صاحب الجامع لأحكام القرآن[66]: “لتبين للناس ما نزل إليهم في هذا الكتاب من الأحكام والوعد والوعيد بقولك وفعلك؛ فالرسول – صلى الله عليه وسلم- مبين عن الله – عز وجل – مراده مما أجمله في كتابه من أحكام الصلاة والزكاة، وغير ذلك مما لم يفصله”، ومن صنوف البيان توضيح بعض المعاني بالإشارة أو فعل مبين، مثل تشبيك الأصابع للدلالة على قوة الرابطة الإيمانية، يشهد لهذا المعنى حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المُؤمِنُ للمُؤْمِن كَالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ثم شبّكَ بيْنَ أصابعه»[67]، قال صاحب فتح الباري[68]: قوله:” (ثم شبك بين أصابعه) هو بيان لوجه التشبيه أيضا أي يشد بعضهم بعضا مثل هذا الشد، ويستفاد منه أن الذي يريد المبالغة في بيان أقواله يمثلها بحركاته ليكون أوقع في نفس السامع”.
من حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الخلق ما أودع الله فيه من الرحمة والرأفة بالمؤمنين، فكان لا يدخر جهدا لتبليغيهم ولو بمزيد من الحض على الفعل أو الترك، يستدل على هذا المعنى بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، جزء من حديث طويل اشتمل على العديد من الوصايا النبوية الكريمة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ أُخْبِرُكَ بمِلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ، قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه قال: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فقال: ثَكِلَتْك أُمّك يا مُعاذ وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ عَلى مَناخِرهِمْ إِلا حَصَائِدُ ألْسِنتِهم»[69]، قال صاحب تحفة الأحوذي[70]: “وإنما أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلسانه وأشار إليه من غير اكتفاء بالقول، تنبيها على أن أمر اللسان صعب، والمعنى لا تكلم بما لا يعنيك، فإن من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ولكثرة الكلام مفاسد لا تحصى”.
من الهدي النبوي الشريف تقريب جوامع الكلم للمخاطبين ليلا يذهب السامع إلى غير المقصود، من ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلا أُنَبئُكمْ بِأكْبرِ الكَبائِرِ ثلاثا، قالوا: بلى يا رسول الله قال: الإِشْراكُ بالله وَعُقُوقُ الواَلِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فقال: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، قال: فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت»[71]، قال صاحب فتح الباري[72]:” قوله: (وجلس وكان متكئا) يشعر بأنه اهتم بذلك حتى جلس بعد أن كان متكئا”.
الأصل أن يكون تبليغ النصوص الشرعية بغير واسطة بمعنى تحفيظ الألفاظ وبيانها باللغة العربية؛ لكونها وعاء الشريعة ولغة القرآن، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍ مُبِينٍ﴾[73]، ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾[74]، ولما في الصحيح[75] من حديث ابن عمر رضي الله عنهما (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنّا أمّةٌ أُمية لاَ نكْتب ولا نحسبُ الشهْر هكذا وهكذا»، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين)، قال صاحب فتح الباري[76]: “أراد أمة العرب لأنها: لا تكتب”.
وبسبب ما تنطوي عليه من معهود العرب في كلامهم، وهو الفيصل في فهم المعاني القرآنية والحديثية، قال صاحب الموافقات في أصول الشريعة[77]: “ومنها: أنه لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين – وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم- فإن كان للعرب في لسانهم عرفٌ مستمر، فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثم عرف فلا يصح أن يجري في فهمها على ما لا تعرفه”.
إذ أن كل العلوم الشرعية تعود إلى طبيعة اللغة العربية من حيث فهم الدلالات والألفاظ، ومنها علم أصول الفقه وما تفرع عنه، قال صاحب نشر البنود على مراقي السعود[78]: “يعني: أن غير الشافعي من المجتهدين كالصحابة فمن بعدهم كان معرفة علم الأصول سليقة له، أي مركوزا في طبيعته كما كان علم العربية من نحو وتصريف وبيان خليقة أي مركوزا في طبائع العرب فطرة فطرهم الله عليها، والألقاب كاسم المبتدأ والخبر والفاعل والمفعول وغير ذلك اصطلاحات وضعها أئمة النحو، وكذلك وضع أئمة الأصول الذين صنفوا فيه اسم المنطوق والمفهوم والفحوى، والمخالفة والعام والخاص والمطلق والمقيد وغير ذلك”.
ولكن قد يتعذر على غير الناطقين بالعربية الأخذ بذلك، ولرفع الحرج والعمل بقاعدة التيسير، لا مناص من ترجمة المعاني إلى اللغات الإفريقية، ولعل الجهود المضنية لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في سبيل تبليغ الدين باللغات المحلية لكل بلد تدخل ضمن هذا العمل العظيم النفع بإذن الله تعالى، وبأساليب تناسب العصر وتقدم المعلومة بالصوت والصورة[79]. ولما كان جل المخاطبين من غير العرب أو من أصحاب الألسن العجمية كان لزاما توجيه خطاب يراعي خصوصيات المجتمعات الإفريقية، يحدد المعالم ويرفع الغشاوة عن البصائر، ولعل المبادرة إلى إعداد دليل للمسابقة الحديثية يتضمن ملحقا لشرح بعض المعاني، يكون لبنة صلبة في بناء خطة تسديد التبليغ، وسبيلا راشدا يحقق ما ينفع الناس.
وصفوة القول، إن سبل تبليغ الدين بما يحقق النفع العميم في السياق الإفريقي، يقتضي أولا: تسديد التبليغ بالتيسير على الناس، وثانيا: تقريب المفاهيم والمعاني الحاملة لروح الدين القويم، وثالثا: استعمال أساليب الإيضاح والبيان بما يتناسب مع كل مجتمع. والمتتبع لسبر أغوار المحاور السابقة، يلحظ بكل يسر بعض الملاحظات، من أبرزها:
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[1] الأنبياء: 106.
[2] صحيح البخاري، كتاب العلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم رب مبلغ أوعى من سامع، (حديث رقم:67).
[3] ميثاق العلماء الأفارقة، مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، نص الميثاق، الطبعة الأولى 1445ه/2023م، (2) مهام العلماء، ص 27.
[4] النساء:165.
[5] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (6/18).
[6] الإسراء:15.
[7] النحل: 125.
[8] محمد الأمين الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، (2/465).
[9] صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله، (حديث رقم: 5678).
[10] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، (10/464).
[11] الحج:78.
[12] ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، (5/456).
[13] مسند الإمام أحمد، باقي مسند الأنصار، حديث السيدة عائشة رضي الله عنها، (حديث رقم: 24334).
[14] ميثاق العلماء الأفارقة، مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، نص الميثاق، الطبعة الأولى 1445ه/2023م، (2) مهام العلماء، ص 30.
[15] البقرة:184.
[16] صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد، (حديث رقم: 220).
[17] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، (1/387).
[18] الأحزاب: 70-71.
[19] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (14/229).
[20] ابن عاشور، التحرير والتنوير، (23/122).
[21] فاطر: 10.
[22] السيوطي، الدر المنثور، (12/258).
[23] صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، (حديث رقم: 39).
[24] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، (1/117).
[25] صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، (حديث رقم: 6098).
[26] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، (11/301).
[27] صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: يسروا ولا تعسروا وكان يحب التخفيف واليسر على الناس، (حديث رقم: 5773).
[28] النحل: 98.
[29] ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، (4/602).
[30] محمد الأمين الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، (2/441).
[31] البقرة:201.
[32] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (2/400).
[33] ميثاق العلماء الأفارقة، مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، نص الميثاق، الطبعة الأولى 1445ه/2023م، (2) مهام العلماء، ص 30.
[34] البقرة:142.
[35] مسند الإمام أحمد، (حديث رقم: 2698)، سنن أبي داوود، (حديث رقم: 4776).
[36] ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، (1/558).
[37] الشمس:9-10.
[38] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (20/69).
[39] ابن عاشور، التحرير والتنوير، (31/371).
[40] محمد مولود بن أحمد فال اليعقوبي الموسوي، مطهرة القلوب.
[41] أحمدو الخديم، محمد الحسن، نخبة المطلوب من شرح مطهرة القلوب، (1/20).
[42] – الإسراء:9
[43] ابن عاشور، التحرير والتنوير، (16/40).
[44] مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، التقرير السنوي 1446ه/2023م، ص 56.
[45] مجلة العلماء الأفارقة، العدد 7، جهود العلماء الأفارقة في خدمة الحديث النبوي الشريف، ص 281.
[46] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، المقدمة.
[47] مجلة العلماء الأفارقة، (7/279-282).
[48] منّيه، رقية، تحرير المسألة في فقه المرأة، (1/36).
[49] العلمي، عبد الحميد، المشترك الأصولي لدى المذاهب السنية، (1/2).
[50] القاضي عياض، ترتيب المدارك، (1/45).
[51] اباه، محمد المختار، مفاتيح المعاني لحرز الأماني، (1/10).
[52] اباه، محمد المختار، حلقات في مقرأ الإمام نافع، (1/17-18).
[53] التوبة: 91.
[54] الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، (2/21).
[55] الأنعام: 108.
[56] الطبري، تفسير الطبري، (12/34).
[57] مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، ميثاق العلماء الأفارقة، ديباجة، الباب الأول علماء الأمة: مواصفات ومهام، ص 29.
[58] العلق: 1-5.
[59] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (20/105).
[60] صحيح البخاري، كتاب العلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم رب مبلغ أوعى من سامع، (حديث رقم: 67).
[61] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، (1/191).
[62] الشعراء:3.
[63] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (13/89).
[64] القرافي، الفروق، القواعد السنية في الأسرار الفقهية، (1/221).
[65] النحل:44.
[66] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، (10/98).
[67] صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا، (حديث رقم: 5680).
[68] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، (10/465).
[69] سنن الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، (حديث رقم: 2616).
[70] المباركفوري، تحفة الأحوذي، (7/304).
[71] صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، (حديث رقم: 2510).
[72] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، (5/310).
[73] الشعراء:195.
[74] الرعد:37.
[75] صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نكتب ولا نحسب، (حديث رقم: 1814).
[76] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، (4/152).
[77] الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، (2/62).
[78] ابن الحاج إبراهيم، سيدي عبد الله، نشر البنود على مراقي السعود، (1/14).
[79] مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، اجتماع المجلس الأعلى، مشاريع اللجان الدائمة برسم سنة 2025م، اللجنة الرابعة لجنة التواصل والتعاون والشراكات، ص 17.