الحمد لله رب العالمين الملك الحق المبين، وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبع هداهم إلى يوم الدين.
وبعد، فقد عُرف المغاربة عبر تاريخهم المشرق بحبهم للدين الإسلامي الحنيف وتعلقهم به، وتثبيت أركانه والتزامهم بأحكامه وتحليل حلاله وتحريم حرامه، وبذلك شكر الحجز الأساس للهوية المغربية.
فإذا كان لكل أمة هويتها فإن الهوية الدينية للمغاربة تتمثل في اختياراتهم العقدية والمذهبية التي تلقوها بالقبول، فأصبحت ثوابت لهذه المملكة الشريفة، يتلقاها المغاربة في مساجدهم وزواياهم ومدارسهم وجامعاتهم، ويمارسون وفق أصولها وفروعها شعائرهم الدينية، ويحتكمون إليها في محاكم الشرعية، وبذلك غدت عنوانا لوحدة المغاربة وامتدادا للعلاقات الروحية والروابط الدينية التي تجمع المملكة بأشقائها في البلدان الإفريقية وكذا في البلدان الأوروبية.
هذه الثوابت تتجسد في جانبها العقدي في عقيدة أهل السنة والجماعة وفق منهج الإمام أبي الحسن الأشعري، وفي جانبها الفقهي في فقه المدينة وفق مذهب الإمام مالك ابن أنس.
وباختيار هذين المذهبين العقدي والفقهي تميز النموذج المغربي في التدين بالتكامل والانسجام، وهذا ما نحاول رصده والوقوف عليه من خلال رصد أسباب التكامل والانسجام بين العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي، في مبحث أول، ثم بيان مظاهر هذا التكامل والانسجام بينهما في مبحث ثان ثم آثار هذا التكامل والانسجام في مبحث ثالث.
إن المتتبع لقضايا العقيدة الأشعرية ومسائل الفقه المالكي ليدرك بجلاء ما بين المذهبين من تكامل وانسجام، أسهمت فيه عوامل وأسباب موضوعية ومنهجية أذكر منها ثلاثة وهي:
العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي ينتميان معا إلى أهل السنة والجماعة، إذ هذا الاصطلاح يحمل بعدا عقديا حين يأتي في سياق مقابلة أهل الاعتزال والخوارج وغيرهما من الفرق العقدية، كما يحمل بعدا فقهيا حينما يأتي في سياق مقابلة المذاهب الفقهية الشيعية وغيرها من المذاهب الإسلامية التي خرجت عن أهل السنة، يقول تاج الدين السبكي رحمه الله: “وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة يد واحدة، كلُّهم على رأي أهل السنة والجماعة يدينون بطريقة شيخ السنة أبي الحسن الأشعري“[1].
ومن أقوال العلماء في سنية منهج الشيخ أبي الحسن الأشعري، جواب الشيخ أبي القاسم القشيرى حينما استفتي فيه بخراسان فقال: “اتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن على بن إسماعيل الأشعرى كان إماما من أئمة أصحاب الحديث، ومذهبُهُ مذهب أصحاب الحديث، تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السنة”[2].
وحصل استفتاء آخر في بغداد عن سنية علماء الأشاعرة فأجاب الشيخ أبو إسحاق الشيرازى رحمه الله فأجاب عن ذلك بقوله: “الأشعرية أعيان أهل السنة وأنصار الشريعة، انتصبوا للرد على المبتدعة من القدرية والرافضة وغيرهم، فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السنة، وإذا رُفع أمر من يفعل ذلك إلى الناظر في أمر المسلمين وجب عليه تأديبه بما يرتدع به كل أحد”[3].
وفي نفس الموضوع ورد سؤال من أمير المسلمين يوسف بن تاشفين للقاضي أبى الوليد ابن رشد، رضي الله عنه، فأجاب بقوله: “وهؤلاء الذين سَمَّيتَ من العلماء أئمةُ خير، وممن يجب بهم الاقتداء؛ لأنهم قاموا بنصر الشريعة، وأبطلوا شبه أهل الزيغ والضلالة، وأوضحوا المكشلات، وبينوا ما يجب أن يدان به من المعتقدات، فهم بمعرفتهم بأصول الديانات، العلماءُ على الحقيقة، لعلمهم بالله عز وجل، وما يجب له، وما يجوز عليه، وما ينتفى عنه، اذ لا تعلم الفروع الا بعد معرفة الأصول، فمن الواجب أن يُعترفَ بفضائلهم، ويُقَرَّ لهم بسوابقهم، فهم الذين عَنَى رسول الله صلى الله عليه وسلم -والله أعلم- بقوله: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغلين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين»، فلا يَعتقد أنهم على ضلالة الا غبي جاهل، أو مبتدع زائغ، عن الحق مائل، ولا يسبهم وينسب إليهم خلاف ما هم عليه إلا فاسق، وقد قال الله عز وجل: «والذين يوذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا»[4]…………………”[5].
هذه النصوص وغيرها تدل على انتماء المذهبين الأشعري في العقيدة والمالكي في الفقه إلى أهل السنة والجماعة، ولا شك أن ذلك الانتماء كان له أثره الواضح في التكامل والانسجام بين المذهبين كما سنقف على ذلك في مظاهر التوافق بين المذهبين.
من تتبع أئمة المالكية ورموزهم وجدهم أشاعرة، ومن تتبع أئمة الأشاعرة وجد أغلبهم مالكية أو شافعية، وهذا ما صرح به عدد من العلماء كتاج الدين السبكي وغيره، ويكفي أن نذكر من هؤلاء الأعلام:
1- الإمام أبو الحسن الأشعري:
أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه الذي هو إمام الأشاعرة ومؤسس مذهبهم العقدي كان مالكي المذهب، وفق ما ذهب إليه عدد من العلماء، ومنهم القاضي عياض في ترتيب المدارك وابن فرحون في الديباج، وغيرهما، قال القاضي عياض: “ذكر محمد بن موسى بن عمران في رسالته أنه كان مالكيا، قال: وذكر لي بعض الشافعية أنه شافعي، حتى لقيت الشيخ الفاضل الفقيه رَافِعاً الحمالَ الشافعي فذكر لي عن شيوخه أن أبا الحسن كان مالكيا”[6]، وقال ابن عساكر: “وَكَانَ فِي مذْهبه مالكيًّا على مَذْهَب مَالك بن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ”[7]، وهذا ما أكده غير واحد من المؤلفين من المالكية في الطبقات والتراجم والعقائد، غير أن هذا الانتساب ليس محل اتفاق بل تنازعه أهل المذاهب، ونسبه كل إلى مذهبه،
ويُرجع بعض الباحثين سبب اختلاف أهل المذاهب الفقهية في انتمائه المذهبي إلى عدم تأليفه كتاباً في الأحكام يستفاد منه أنه مقتد بأحد الأئمة، أو أنه مستقل النظر في الأحكام، إلا أن مما يرجح مالكيته أن مذهب مالك رحمه الله كان مذهبا فاشيا بالعراق في عهده أيام القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي قاضي بغداد. ويرى بعض الباحثين أن أبا الحسن الأشعري كان مجتهدا؛ لأن مثله لا يكون مقلدا في الفروع، يقول الحجوي في الفكر السامي: “ولا بُعد في أن يكون مجتهدا لا هو شافعي ولا مالكي؛ لما كان عليه من العلم الواسع، والفكر الشاسع، ويبعد أن يكون مثله مقلدا في ذلك العصر”[8].
2- القاضي أبو بكر الباقلاني
يعد القاضي أبو بكر الباقلاني المؤسس الثاني أو المؤسس الحقيقي للعقيدة الأشعرية وأحد رموز المذهب الأشعري في الاعتقاد، وهو تلميذ لتلامذة الأشعري، فهو قريب العهد به، ربط اسمه بالأشعري، فصار علماً عليه يُذكر في نسبه، فيقال: أبو بكر بن الطيب الباقلاني الأشعري، ولحماسته في الانتساب إلى الأشعري ونصرة مذهبه عده الأشاعرة المجدد على رأس المائة الرابعة، بعد الأشعري الذي يعتبرونه مجدد المائة الثالثة.
والباقلاني كان مالكي المذهب بلا نزاع، وكان مالكية المغرب والأندلس والقيروان يشدون إليه الرحال، فيأخذون عنه العقيدة الأشعرية وفقه مالك. (ومن أشهرهم: أبو عبد الله الأذَريّ، وأبو طاهر البغدادي، وأبو عمران الفاسي)، وقد أسهم بدور كبير في ربط العقيدة الأشعرية بالمذهب المالكي تنظيرا وتنزيلا تأصيلا وتفريعا؛ باعتباره منظرا ومجددا للعقيدة الأشعرية ومؤسسا للتأليف في أصول الفقه عند المالكية.
3- الإمام مالك بن أنس
مما هو معلوم ضرورة أن الإمام مالكا كان على منهج المتقدمين من أهل السنة والجماعة، وهذا المنهج السني الذي كان عليه الإمام مالك رحمه الله هو الذي جمع شتاته وقعد قواعده ورتب مسائله الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله، يقول ابن السبكي رحمه الله: “اعْلَم أَن أَبَا الْحسن لم يبدع رَأيا وَلم ينشئ مذهبا، وَإِنَّمَا هُوَ مُقَرِّر لمذاهب السّلف، مناضلٌ عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ صحابة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فالانتساب إِلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار أَنه عَقَدَ على طَرِيق السّلف نطاقا وَتمسك بِهِ، وَأقَام الْحجَج والبراهين عَلَيْهِ، فَصَارَ المقتَدِي بِهِ في ذَلِك السالكُ سَبيله في الدَّلَائِل يُسمى أشعريا“[9].
وهكذا فرغم تأخره عن الإمام مالك -حيث ولد أبو الحسن بعد سنة من وفاة مالك، إلا أن عقيدتهما في المجمل واحدة، ومنهجهما في الاعتقاد هو منهج أهل السنة والجماعة.
ومعلوم أن التفويض في الصفات هو منهج غالب المتقدمين من أهل السنة لعدم وجود دواعي التأويل، والقول بالتأويل هو منهج المتأخرين منهم لتوفره أسبابه ودواعيه.
وتبعا لهؤلاء الأعلام فإن الفقهاء المالكية كلهم أو على الأقل جلهم أشاعرة، مثل أبي الوليد الباجي وابن رشد وابن العربي والقاضي عياض وابن الحاجب وغيرهم كثير، وهذا ما يؤكده تاج الدين السبكي رحمه الله حيث يقول: “ذكروا أن الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة أشعريون”[10].
وإذا كنا لا ندعي الاستقراء التام والحكم العام في أشعرية المالكية مما يتحقق به القطع واليقين، فإن أحد لا يشك في أشعرية أغلبهم، وهو ما يتحقق بالنظر والاستقراء الناقص المفيد لغلبة الظن.
من أسباب التكامل والانسجام بين ثابتي العقيدة والمذهب عند المغاربة ذلك المنهج الفريد الذي اعتمده عدد غير يسير من الفقهاء المالكية، واتخذوه عادة ومنهجا لهم في التأليف، وهو ضم مسائل العقيدة إلى كتب الفقه المالكي، بعضهم يختتم به كتابه ضمن كتابٍ أو بابٍ يُسَمونه الكتابَ أو الباب الجامع، وبعضهم يخصها بمبحث خاص في مستهل الكتاب، أو في ما يصطلح عليه بالمقدمات.
ويرجع السبق في هذا المنهج البديع إلى إمام المذهب مالك بن أنس في موطئه حيث ختمه بكتاب جامع تناول فيه مجموعة من المسائل والآداب التي لا تدخل في صميم الأبواب الفقهية، يقول ابن العربي رحمه الله عن هذا الصنيع: “هذا كتاب اخترعه مالك رحمه الله في التصنيف”[11].
فمن أشهر الكتب الفقهية التي تناولت قضايا العقيدة ضمن الباب الجامع:
ومن أشهر الكتب الفقهية التي تناولت قضايا العقيدة في باب مستقل في مطلعها:
وقد صدر رحمه الله هذا النظم بــ” مقدمة لكتاب الاعتقاد معينة لقارئها على المراد”.
وهذا المنهج ليس مبدأ عاما ولا قاعدة مطردة في التأليف العقدي عند المالكية، بل هناك كتب استقلت بالعقيد على سبيل المثال ما ألفه القاضي أبو بكر الباقلاني ك “الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به” وكتابه “تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل” وابن الحاجب في عقيدته. والسنوسي في أم البراهين وغيرهم.
ولا شك أن هذا المنهج في التأليف الفقهي ساعد على ربط العقيدة الأشعرية بالمذهب المالكي في الدراسة والتدريس وبين صفوق أهل العلم والفقهاء، وهو منهج سديد يربط بين الأصول والفروع؛ لما هو معلوم من أن فروع الدين مبنية على أصوله.
بعد عرض أهم أسباب التوافق والتكامل بين العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي نخصص هذا المبحث لعرض أهم مظاهر هذا التوافق سواء في الأصول أو في الفروع أو في المنهج بشكل عام.
من المعلوم أن المالكية ينتمون في أصولهم إلى مدرسة المتكلمين، وقد مثل هذا الانتماء المنهجي مظهرا من مظاهر التكامل بين المنهج الأشعري والمذهب المالكي، ذلك أن رموز الأشاعرة هم الذين أثروا المدرسة الأصولية المالكية بنفائس أفكارهم، وأغنوها بغزير مؤلفاتهم، ومن هؤلاء القاضي الباقلاني وأبو الوليد الباجي، بالإضافة إلى أبي المعالي عبد المالك الجويني وأبي حامد الغزالي، ثم فخر الدين الرازي وسيف الدين الآمدي، مرورا بالقرافي وابن الحاجب والشاطبي وغيرهم.
وقد كان لهؤلاء المتكلمين من الأشاعرة أثر بارز في علم أصول الفقه حيث مزجوه بنظرياتهم العقدية ومناقشاتهم الكلامية في ضوء العقيدة الأشعرية، يتجلى لذلك في:
من الطبيعي أن التوافق بين العقيدة والمذهب في الأصول يكون له أثر على مستوى الفروع، لما هو معلوم من بناء الفروع على الأصول، وسأقتصر على بعض الأمثلة لبيان هذا التوفق والانسجام:
المسألة الأولى: يرى الأشاعرة أن صفات الأفعال كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والبعث والنشور والسعادة والشقاء والهداية والإضلال والطاعة والمعصية والقبض والبسط حادثة، وترتب عن ذلك أنه لا ينعقد بها اليمين، قال الدردير: “الصفات الفعلية لا ينعقد بها اليمين على مذهب الأشاعرة، وأما على مذهب الماتريدية فينعقد بها اليمين أيضا؛ لأنها قديمة عندهم، ويسمونها بالتكوين”[15]. وقال الشيخ خليل في ما لا تنعقد به اليمين: “لا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ، …. وَكَالْخَلْقِ، والإِمَاتَةِ”[16]، قال ابن يونس: وصفات أفعاله: نحو الخلق والرزق والإحياء والإماتة فلا كفارة على من حلف بشيء من صفات أفعاله”[17]،
المسألة الثانية: الحكم بعدم كفر تارك الصلاة ومرتكب الكبيرة، وما يترتب عن ذلك من آثار فقهية من غسل ودفن في مقابر المسلمين وصحة زواج، وتوارث وغير ذلك. قال ابن أبي زيد القيراوني: “وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة”، قال العدوي: “ما قاله هو مذهب جميع أهل السنة سلفا وخلفا خلافا للخوارج”[18].
المسألة الثالثة: بنى بعض الأصوليين على مسألة الأمر بواحد من أشياء وقول الأشاعرة: يوجب واحدا بعينه أنه: “إذا تَرَك من وجبت عليه الكفارة جميع الخصال وقلنا للإمام المطالبة بالكفارات؛ أجبر بمقتضى مذهب الجمهور على فعل واحدة منها بدون تعيين، أما على مذهب المعتزلة؛ فيصح جبره على واحد بعينه؛ لأن الواجب عندهم القدر المشترك وهو يتأدى بأي خصلة فعلت”[19].
المسألة الرابعة: أن المؤمن تقبل توبته بعد ظهور علامات الموت والغرغرة، وهو موضوع خلافي عقدي وفقهي. قال الشيخ محمد بن الحسن: “هذا قول الشيخ أبي الحسن الأشعري، وهو المختار عند المالكية. وقد ناقش الفخر الرازي هذه المسألة وخلص إلى أن المحققين من العلماء على أن “قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة، بل المانع من قبول التوبة مشاهدة الأحوال التي عندها يحصل العلم بالله تعالى على سبيل الاضطرار”[20].
على الرغم من اختلاف الحقلين المعرفين العقدي والفقهي فإن أوجه التشابه والتوافق بين المنهج الاشعري في الاعتقاد والمذهب المالكي في الفروع كثيرة، يكفي أن نذكر من ذلك في هذا المقام باعتماد المنهجين على المزاوجة والتوليف بين اعتماد النقل والعقل.
فبالرجوع إلى المذهب المالكي نجده أوسع المذاهب على مستوى مصادر التشريع، وأن مصادره تجمع بين الأدلة النقلية والعقلية، وهذه الخاصية نفسها تميز بها المنهج الأشعري في الاعتقاد، ذلك أن الأشعري قد أسس مذهبه على ما جاءت به النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله، وهذا ما يخالف به منهج المعتزلة، ولكنه في نفس الوقت يدافع عن العقيدة السليمة، ويناظر خصومه بالأدلة العقلية والبراهين المنطقية، وبذلك فهو يعتمد ذلك المزج البديع بين الأدلة العقلية والنقلية، وعلى الأخص إذا تعلق الأمر ببعض الصفات لا يمكن إثباته إلا بالأدلة العقلية؛ لأن النقل يتوقف على إثباتها كالوجود، وإثبات النبوة.
التكامل بين العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي له أثار عملية كثيرة، أذكر ثلاثة منها في هذا المقام.
البيعة الشرعية هي رابطة دينية، وعقد اجتماعي وسياسي بين الراعي والرعية، تجسدها مؤسسة أصيلة في الإسلام هي مؤسسة “إمارة المومنين” أو “الإمامة العظمى” التي هي: “خلافة النبوة لحراسة الدين وسياسة الدنيا”[21]، وبموجب هذه البيعة يسهر الإمام الأعظم على رئاسة الدولة وممارسة صلاحياته الدينية والدنيوية، وقد اتفقت المذاهب العقدية والفقهية المعتبرة على وجوب تنصيب الإمام وطاعة أمره، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}[22] وقول النبي علي الصلاة والسلام: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي»[23].
إلا أنهم اختلفوا في طاعة الإمام الجائر وحكم الخروج عنه[24]، وقد اتفق الأشاعرة والمالكية في عدم جواز الخروج عليه رغم جوره وفسقه حفاظا على تماسك الجماعة، وتحصينا للدماء وعملا بقاعدة ارتكاب أخف الضررين، َقَالَ ابن عبد البر: “ذهبت طوائف من المعتزلة وعامة الخوارج، وأما أهل الحق وهم أهل السنة فقالوا هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلا عدلا محسنا، فإن لم يكن فالصبر على طاعة الجائرين من الأئمة أولى من الخروج عليه؛ لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف؛ ولأن ذلك يحمل على هراق الدماء وشن الغارات والفساد في الأرض، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه، والأصول تشهد والعقل والدين أن أعظم المكروهين أولاهما بالترك”[25].
وَقَالَ عِيَاضٌ فِي إكْمَالِهِ: “وأحاديث مسلم التي أدخل في الباب كلها حجة في منع الخروج على الأمراء الجورة ولزوم طاعتهم’[26]. وقال أيضا: “جمهور أهل السنة من أهل الحديث والفقه والكلام: لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه”[27]؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»[28]. قال ابن عبد البر في شرحه لهذا الحديث: “ففي هذا الحديث أن من الدين النصح لأئمة المسلمين وهذا أوجب ما يكون فكل من واكلهم وجالسهم وكل من أمكنه نصح السلطان لزمه ذلك إذا رجا أن يسمع منه وروى معمر عن الزهري عن السائب بن يزيد قال قال رجل لعمر بن الخطاب ألا أخاف في الله لومة لائم خير لي أم أقبل على أمري فقال أما من ولي من أمر المسلمين شيئا فلا يخف في الله لومة لائم ومن كان خلوا فليقبل على نفسه ولينصح لأميره وسئل مالك بن أنس أيأتي الرجل إلى السلطان فيعظه وينصح له ويندبه إلى الخير فقال إذا رجا أن يسمع منه وإلا فليس ذلك عليه”[29]. وقال أبو عمر: “إن لم يكن يتمكن نصح السلطان فالصبر والدعاء فإنهم كانوا ينهون عن سب الأمراء”[30].
تميز المنهج الأشعري في الاعتقاد بالوسطية والاعتدال بالنظر إلى غيره من الفرق، كما تميز المذهب المالكي بالوسطية في التكاليف مقارنة مع غيره من المذاهب الفقهية.
فمن وسطة المنهج الأشعري نذكر:
ومن وسطية المذهب المالكي نذكر: أنه مذهب وسط بين أهل الرأي وأهل الأثر، لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا غلو ولا تشديد، ولا غرابة ولا شذوذ، ولا جمود ولا تعقيد، ولا تمرد ولا تكفير، يقول بالقياس، ويحبذ الأخذ بالرخص، ويكره الأخذ بغرائب الأقوال وشواذ الأحكام، يحب الاتباع ويكره الابتداع، ويحرم استعمال الحيل للتخلص من الواجبات أو التوصل إلى المحرمات، ويرفض نتائجها ويؤاخذ المحتال بنقيض قصده، ويحرمه من الاستفادة من حيلته، ويعاقبه على فعلته[31].
يعد المنهج الأشعري في الاعتقاد أكثر المذاهب الإسلامية تعايشا مع المخالفين؛ لأنه يؤمن بعدم إكراه الناس على اعتناق الإسلام؛ لأن الخالق سبحانه وتعالى كرم الإنسان ووهبه العقل لإعماله في التفكر والتّدبر، وليميز به بين الخير والشرّ، وأعطاه الحرية التي لا تقل أهمية عن العقل، والتي بها يكون مسؤولا عن أفعاله، فلا “مسؤولية بغير حرية”؛ ولذلك نجد النصوص الشرعية تؤسس دعوتها إلى الإسلام على الإقناع والقول الحسن، والمجادلة بالتي هي أحسن، وليس بالإكراه، قال تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾[32]. وقال سبحانه: ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[33].
ومن مظاهر التعايش في العقيدة الأشعرية أيضا: إبطال بعض الفهوم المغلوطة لقضية الولاء والبراء مع غير المسلمين، والاعتقادُ بأن الولاء يعني المولاةَ لله ورسوله والمومنين وذلك بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، ومحبة رسوله والمومنين وتقوية آصرة المحبة والتعاون والتعايش بين المومنين. وأما البراء فيعني تبرؤ المسلم من الكفر وكره الوقوع فيه باعتباره نقيض الإيمان، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكره غير المسلمين ويمتنع عن معاملتهم ومشاركتهم ومداينتهم والزواج منهم وغير ذلك من وجوه التعامل، لقوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين}[34].
ونفس الخاصية يتميز بها المذهب المالكي حيث يؤسس لمبدأ التعايش مع المخالف والمؤالف وذلك من خلال مجموعة من الخصائص أهمها كما يقول أستاذنا سيدي محمد التاويل رحمه الله:
من خلال ما تقدم من أسباب التوافق والانسجام بين أصول العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي ومظاهر هذا التوافق وآثاره، ندرك أن المذهبين متكاملان في أصولهما وفروعهما متجانسا في مسائلهما وقضاياهما، مما كان له انعكاس واضح على تدين المغاربة عقيدة وشريعة وسلوكا تأثرا بما تميز به المذهبان من وسطية واعتدال وانفتاح وبعد عن الغلو والتطرف ونبذ التكفير، والتعايش مع المخالف والمؤالف ومراعاة الخلاف في الأصول والفروع، وهو ما أسهم في الاستقرار الفكري والعقدي في المغرب وامتداده الأفريقي حيث يشاركه في هذه الثوابت العقدية والمذهبية العديد من البلدان الأفريقية الشقيقة.
وهذان الثابتان العقدي والمذهبي إلى جانب باقي الثوابت وخاصة إمارة المومنين والتصوف السني كلها تعتبر صمام أمان للبلاد والعباد، وبها ومن خلالها تنعم المملكة المغربية بنعمة الأمن والأمان والتعايش والتسامح والاستقرار، كما أنها صلة وصل بين المملكة المغربية الشريفة وعمقها الإفريقي.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
[1] تاج الدين السبكي، معيد النعم ومبيد النقم، ص 62.
[2] تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى: 3/374.
[3] تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى: 3/376.
[4] سورة الأحزاب، الآية 58.
[5] – مسائل أبي الوليد بن رشد، 1/717.
[6]– أبو الفضل القاضي عياض بن موسى اليحصبي ترتيب المدارك وتقريب المسالك، 5/24.
[7] – أبو القاسم ابن عساكر، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، ص 117.
[8] – محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الجعفري الفاسي، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، 2/128.
[9] – تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى: 3/365.
[10] – تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى: 3/373.
[11] – أبو بكر بن العربي، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، 1/1082.
[12] – شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، الذخيرة، 13/231.
[13] – أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، متن الرسالة، ص 5.
[14] – أبو القاسم محمد ابن جزي الكلبي الغرناطي، القوانين الفقهية، ص 8.
[15] – أحمد بن محمد الصاوي، بلغة السالك لأقرب المسالك، المعروف بحاشية الصاوي على الشرح الصغير، 1/328.
[16] – خليل بن إسحاق بن موسى، ضياء الدين الجندي المالكي المصري، مختصر خليل، ص 82.
[17] – أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي، الجامع لمسائل المدونة، 6/356.
[18] – حاشية العدوي على شرح أبي الحسن على الرسالة: 1/102.
[19] – أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، هامش تحقيق كتاب الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي، 1/40.
[20] – فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير )، 10/9.
[21]– أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري بالماوردي، الأحكام السلطانية، ص 5
[22] – سورة النساء، الآية: 58.
[23] – صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59.
[24] – ذكر النووي ‘أن هذا الخلاف كان أوّلًا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم”شرح صحيح مسلم، 12/229.
[25] – أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 23/279.
[26] – أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي، شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ المُسَمَّى إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم، 6/256.
[27] – أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي، شَرْحُ صَحِيح مُسْلِمِ المُسَمَّى إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم، 6/247.
[28] – الإمام مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة.
[29] – أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 21/285.
[30] – أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 21/287.
[31]– محمد التاويل، خصائص المذهب المالكي، درس حسني خلال شهر رمضان 1425 هجرية.
[32] – سورة يونس، الآية: 99.
[33] – سورة النحل، الآية: 125.
[34] سورة الممتحنة، الآية 8.
[35]– محمد التاويل، خصائص المذهب المالكي، درس حسني خلال شهر رمضان 1425 هجرية.