الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد،
فعنوان هذا المقال: “إعمار المساجد لعبادة الله ونشر قيم المحبة والتعارف بين خلق الله”.
وقد ارتأيت أن أقسمه إلى محاور ثلاثة:
المحور الأول: في فضل المساجد وفضل عمارة بيوت الله.
المحور الثاني: في الشعائر التعبدية التي تقام بالمسجد
المحور الثالث: في ما تثمره عمارة المساجد من القيم النبيلة والجليلة بين رواده.
فأقول، وعلى الله التكلان، وهو نعم المستعان:
إن المساجد بيوت الله تعالى أضافها إلى نفسه، فقال، سبحانه وتعالى: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا)[1]. وأقامها على الأرض للوفادة عليه، وأذن في رفعها حسا ومعنى، فقال جل من قائل: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله…)[2].
وكان أولَ بيت وضع للناس للعبادة بيت الله الحرام، كما قال جل جلاله: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين)[3].
وهذه العناية عند التأمل في معاني هذه الآيات وشبيهاتها مما يعنى فيها بالمساجد تدل دلالة واضحة على قيمة ومكانة المساجد في الإسلام، وأن قيمتها مستمدة ممن أضيفت إليه، وأقيمت للوفادة فيها عليه، كما تدل على عظم رسالة المسجد ومركزيته في دعوة الإسلام، بحيث تصل عمارة المساجد حيثما وصلت دعوة الإسلام، حتى أصبحت المساجد في الأرض كالنجوم في السماء، لا تغيب عن الساري مهما امتدت به مسافة المسير، يهتدي بها كلُّ من أنار الله قلبه بنور الهداية.
ولا يخفى على متأمل بعقله، أو متجول برجله، أن المساجد في أرض الله هي منارات السالكين، وهدايات الحائرين، ومأوى المساكين، وخلوة المتعبدين، ومفزع الخائفين، وجنة المتقين، وواحة المعلمين والمتعلمين، وخلية التالين والمرتلين، يسمع لهم فيها دوي كدوي النحل في جوف الليل، وبالأسحار هم يستغفرون. وغير ذلك من وظائف المسجد المتعددة والمتنوعة بتنوع الأوقات والأحوال.
والمسجد في الإسلام هو أم المؤسسات، ومنه تفرعت جميع التخصصات والسلطات والولايات، فهو المسجد لإقامة الصلوات، وهو المدرسة لتعليم أحكام الدين، وهو المحكمة للقضاء والفصل بين الخصوم، والمشفى لمعالجة المرضى، والخزينة لجمع الأموال والجبايات وتوزيعها على مستحقيها، ومأوى أهل الصفة ممن لا أهل لهم ولا مال، وهو مقر اجتماع المسلمين لجميع مصالحهم المختلفة، وغير ذلك من المهام والأغراض والوظائف التي قام بها المسجد النبوي زمن النبي ﷺ وزمن الخلفاء الراشدين من بعده.
انطلاقا مما سبق ذكره تأتي عناية الرسول ﷺ بالمساجد في قمة الأولويات، فكان أول ما شغل باله، بعد الهجرة ونزوله بالمدينة المتنورة أن بنى مسجد قباء، وذلك قبل استقراره بالمدينة ووصوله إلى حيث مسجده اليوم، فكان مسجدُ قباء أول مسجد بناه النبي ﷺ، وشهد الله له وللأنصار بالتقوى والإيمان والطهارة والمحبة، فقال جل شأنه: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين)[4].
فكانت تلك منقبة خاصة لأهل قباء إلى يوم الدين، كيف لا، وقد فتحوا قلوبهم قبل ديارهم للرسول ﷺ، وأعطوه أرضا لبناء المسجد فيها.
ولما نزل ﷺ إلى قلب المدينة كان الهمَّ الأولَ كذلك بناءُ المسجد النبوي، واشترى بقعته ليكون خالصا لله تعالى وأدى أبو بكر ثمنها، وشارك النبي ﷺ في بنائه بنفسه، ينقل الحجارة والتراب ويرتجز مع الصحابة كما روى البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال لبني النجار بالمدينة «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا»، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين، فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي صلى الله عليه وسلم معهم، وهو يقول:
«اللهم لا خير إلا خير الآخرةْ فاغفر للأنصار والمهاجرةْ»[5].
وفي الرجز إشارة إلى أن بيوت الله من عمل الآخرة، ومما يدخره الله للعبد إلى يوم القيامة، كما سيأتي في فضل بناء المساجد.
ثم قام النبي ﷺ بنشر دعوته انطلاقا من مسجده الذي لا يخلو من رواده ليل نهار، ويتناوب على القدوم عليه من لا يستطيع الدوام لأشغاله المختلفة، فانطلق نور الوحي من هنالك فعم الأفق، فمنه يستمد المؤمنون المدد إلى يوم الناس هذا وإلى ما شاء الله.
وما هذا المسجد المبارك الذي نحن فيه الآن إلا قبس من ذلك النور النبوي والسر الرباني الذي أُلهِمه منشئه ومؤسسه على تقوى من الله ورضوان جلالة المغفور له مولانا الحسن الثاني طيب الله ثراه وأكرم مثواه، وجعل هذا الصرح في ميزان حسناته، وذخيرة في صالح أعماله. آمين.
إذا كانت المساجد بيوت الله كما أسلفنا، وهي كذلك، ومنطلق الدعوة والرسالة الإسلامية الخالدة، فلا شك أن فضلها عظيم، وأن عمارتها من أجل القربات، كما في قوله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين)[6].
شهد الله تعالى في هذه الآية لمن يعمر بيوته بالإيمان بالله واليوم الآخر، وقرن ذلك بالصلاة، وهي حق الله تعالى الخالص، والزكاة، وهي حق الله في مال الأغنياء لصالح الفقراء والمساكين، ونفى عنه الخشية لغير الله تعالى، وذلك يفيد التحرر من الهوى والنفس الأمارة بالسوء، والاعتماد على كل ما سوى الله سبحانه. كما شهد له بالاهتداء، وهو السير على صراط الله المستقيم، وكلها خصال تناسب عمارة المساجد وتسهم في ثمارها المرجوة من السعادة والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة.
روى البخاري عن عثمان رضي الله عنه عن النبي ﷺ، قال: “من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة”[7].
وفي حديث آخر عن النبي ﷺ قال: “من بنى لله مسجدا، ولو كمَفْحَص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة”[8].
في هذين الحديث وغيرهما دليل على الأجر العظيم المدخر لمن بنى مسجدا مهما كان صغيرا ولو كمفحص قطاة، ومفحص القطاة موضع بيضها. وفيه إشارة إلى أن المشاركة والمساهمة في بناء المسجد فيها خير كثير، مهما قلت أو صغرت، فجزاؤها بيت في الجنة.
وعمارة المساجد تشتمل على هبة الأرض أو حبسها لبنائها عليها، وعلى بنائها ونظافتها وإنارتها وتفريشها وكل ما له علاقة بصيانتها لأداء رسالتها الكبرى، التي هي عمارتها بالصلاة والذكر والقرآن والعلم وغير ذلك من وظائف المسجد المتعددة.
يقول النبي ﷺ: «عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد… »[9].
فإذا كانت القذاة، وهي ما ينبغي إزالته من المسجد من الأوساخ والأذى، مأجورا عليها، فبناؤه وخدمته أعظم من ذلك بكثير، وقد سأل النبي ﷺ، عن امرأة كانت تقم المسجد، فأخبر أنها ماتت ودفنت ليلا، فطلب قبرها، وصلى عليها إكراما لها على ما تقوم به من تنظيف المسجد[10].
وورد كذلك أن أول من أنار مسجد رسول الله، ﷺ، بالقناديل هو تميم الداري، رضي الله عنه، لما جاء بها من الشام وأسرجها في مسجد رسول الله، ﷺ، فلما رآها النبي ﷺ، قال: “من فعل هذا”؟ فقالوا تميم الداري، فقال له: “نورت الإسلام نور الله عليك في الدنيا والآخرة”[11].
وفي قوله ﷺ: “نورت الإسلام” تنويه عظيم بمن أنار المسجد بالأنوار المادية التي تنير على صاحبها في الدنيا والآخرة. وفيه إشارة إلى أن العناية بالمساجد أمر مطلوب يشغل بال المهتمين بالإسلام والمسلمين، ويسعى في توفير المساجد وأماكن العبادة لهم.
وهذه الأنواع من العمارة، على عظم أجرها وكثرة ثوابها كما أسلفنا، إنما هي وسيلة إلى الغاية الحقيقية والعمارة العظمى لبيوت الله وهي:
يعتبر الأذان من الشعائر الدينية الكبرى، إذ هو إعلان عن وقت الصلاة وإعلان لتوحيد الله تعالى والشهادة لرسوله ﷺ، بالرسالة، ولذا ورد في فضله وثوابه وآداب القيام به الشيء الكثير نذكر منها إجمالا:
فضل الأذان: يقول النبي ﷺ: “المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة”[12].
وروى البخاري عن النبي ﷺ، قال: “إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان، وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضى النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضى التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى”[13].
وروى أيضا عنه ﷺ قال لأبي سعيد الخدري: “إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه: «لا يسمع مدى صوت المؤذن، جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة»[14].
في هذه الأحاديث، وغيرها كثير، ذكر ثواب المؤذنين وأنهم أكثر الناس أجرا وثوابا يوم القيامة لما ينشرونه في الناس من نداء التوحيد، وفيها أنه يطرد الشياطين، ويشهد للمؤذن كل من سمعه من جن وإنس وحجر ومدر يوم القيامة، وهذا كاف في فضل الأذان.
والمؤذن مؤتمن على صلاة الناس وصيامهم ومواعيدهم وغير ذلك مما له ارتباط بالأذان، كما قال النبي ﷺ: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين»[15].
فعلى المؤذن المحافظة على الأوقات والالتزام بالأذان بالآداب المطلوبة للقيام بهذه الشعيرة العظيمة التي فيها إعلان التوحيد لله والدعوة إليه، والبراءة من الكبرياء التي لا تنبغي إلا لله تعالى.
من الشعائر التعبدية الكبرى التي تقام بالمسجد الصلوات الخمس في الجماعة، وما تيسر فيه من النوافل.
والصلاة في الجماعة لها فضل لا يوجد في البيت ولا في السوق ولا في غيرهما كما قال النبي ﷺ: “صلاة الرجل في الجماعة تُضَعَّف على صلاته في بيته، وفي سوقه، خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنه: إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة، إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة”[16].
وهل هذه الحسنات المضاعفة للجماعة فقط أم لما يصاحبها من الفضائل والسنن، وليست في صلاة الفرد، كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، منهم ابن حجر حيث حاول أن ينظر إلى ما ورد من الفضائل في صلاة الجماعة فقال:
“وقد نقحت ما وقفت عليه من ذلك وحذفت ما لا يختص بصلاة الجماعة، فأولها إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة، والتبكير إليها في أول الوقت، والمشي إلى المسجد بالسكينة، ودخول المسجد داعيا، وصلاة التحية عند دخوله، كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة، سادسها انتظار الجماعة، سابعها صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له، ثامنها شهادتهم له، تاسعها إجابة الإقامة، عاشرها السلامة من الشيطان حين يفر عند الإقامة، حادي عاشرها الوقوف منتظرا إحرام الإمام أو الدخول معه في أي هيئة وجده عليها، ثاني عشرها إدراك تكبيرة الإحرام كذلك، ثالث عشرها تسوية الصفوف وسد فرجها، رابع عشرها جواب الإمام عند قوله سمع الله لمن حمده، خامس عشرها الأمن من السهو غالبا، وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتح عليه، سادس عشرها حصول الخشوع والسلامة عما يلهي غالبا، سابع عشرها تحسين الهيئة غالبا، ثامن عشرها احتفاف الملائكة به، تاسع عشرها التدرب على تجويد القراءة وتعلم الأركان والأبعاض، العشرون إظهار شعائر الإسلام، الحادي والعشرون إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل، الثاني والعشرون السلامة من صفة النفاق، ومن إساءة غيره الظن بأنه ترك الصلاة رأسا، الثالث والعشرون رد السلام على الإمام، الرابع والعشرون الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر وعود بركة الكامل على الناقص، الخامس والعشرون قيام نظام الألفة بين الجيران وحصول تعاهدهم في أوقات الصلوات.
فهذه خمس وعشرون خصلة، ورد في كل منها أمر أو ترغيب يخصه وبقي منها أمران يختصان بالجهرية؛ وهما الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها، والتأمين عند تأمينه؛ ليوافق تأمين الملائكة. وبهذا يترجح أن السبع تختص بالجهرية والله أعلم”[17].
وقد نقلت هذا النص بطوله لما فيه من الإشارات إلى كثير من الفوائد التي تحصلها الجماعة، وفضل الله أوسع من أن يحصر في ذلك، والله الموفق للصواب.
من أهم الشعائر الدينية الكبرى التي تقام بالمسجد، ولا تقام بغيره أبدا، خطبة الجمعة التي تكون كل يوم جمعة عند الزوال وبعدها ركعتان، وهما فرض الجمعة، وورد في فضلها وفضل الحضور فيها أحاديث كثيرة.
والخطبة دعوة إلى الله تعالى وبلاغ عن رسول الله ﷺ، ونيابة عن ولي أمر المسلمين، باعتبارها ولاية من الولايات السلطانية، كما ذكر الماوردي في الأحكام السلطانية. وأنها لا تقام إلا بإذنه وعلى مذهبه وسنته التي كان عليها هو وأهل بلده، مما يعني أن الالتزام بالثوابت الدينية للبلد واجب جمعا للكلمة وتوحيدا للصف، ورعاية لمصالح المسلمين في المحافظة على أمنهم الروحي والاجتماعي.
والسعي إليها واجب عند النداء، كما يجب ترك كل ما يشغل المسلم من شواغل الدنيا، ما لم يكن له عذر شرعي، لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون)[18].
كما يجب الإنصات لها والاستماع بكل خشوع وخضوع ونية امتثال الأمر واجتناب النهي، مما يأمر به الخطيب أو ينهى عنه؛ ولا يحق لأحد معارضته أو الرد عنه، لقدسية المنبر وقدسية رسالته التي هي النيابة عن النبوة في تبليغ الدين.
وقد أدت الخطبة رسالتها عبر القرون، وتعلم منها المسلمون أمور دينهم ودنياهم، وكان الصحابة يعلمون فيها الناس كليات الدين في العقائد ومكارم الأخلاق، كما يعلمونهم فيها جزئيات العبادات والمعاملات، ويجيبون فيها عن حاجات الناس في العقيدة والعبادة والمعاملات والسلوك.
فقد روى الإمام مالك في الموطأ “عن عبد الرحمن بن عبدٍ القارِيِّ أنه سمع عمر بن الخطاب، وهو على المنبر يعلم الناس التشهد، يقول: قولوا: التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبيء ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله”[19].
ومن آداب الخطبة أن تكون هادفة في معالجة أحوال الناس، وصحيحة فيما تقدمه من العلم والتزكية، وسالمة من التشويش على الناس بالتشهير أو المخالفات، أو طرح غرائب العلم أمام الناس؛ إذ شر العلم الغريب، كما قال الإمام مالك وابن المبارك وغيرهم من العلماء. والمراد بالغريب في قولهم: شر العلم الغريب، أو اتقوا الغرائب من العلم، يقصدون به ما لم يكن عليه العمل، ولم يكن معهودا لدى الناس، وإن كان صحيحا من حيث السند والرواية، فمراعاة العمل به من منهج السلف، كما راعى ذلك الإمام مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحيهما، وأصحاب السنن في سننهم، وهو حجتهم في إيراد بعض الأحاديث الضعيفة إسنادا، القَوِيَّة عملا.
فالخطبة إذاً تحتاج إلى مجموعة من الضوابط العلمية والصناعية وفقه الواقع، حتى تؤتيَ أكلها وثمارَها المرجوة في المجتمع.
من الوظائف التعبدية والشعائر الدينية التي ينهض بها المسجد عبر التاريخ الموعظة، وهي مثل الخطبة في أهدافها وغاياتها، وأخف منها من حيث طريقة تناولها، إذ لم يشترط لها ما اشترط للخطبة من الحال والهيئة وطريقة الإلقاء وغير ذلك من الفوارق في الوسائل.
وليس للموعظة وقت محدد في اليوم أو في الأسبوع، بل وقتما تيسرت تكون أجدى وأنفع، من غير إملال للناس ولا حملهم على ما لا يتحملون، كما روى البخاري عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: “كان رسول الله ﷺ، يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا”[20].
من الوظائف النبوية في المسجد وغيره التعليم والتزكية، كما قال الحق سبحانه: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)[21].
فهذه الوظائف الثلاث: التلاوة والتزكية والتعليم، قام بها النبي ﷺ، في المسجد أحسن قيام، وتوارثها الناس من بعده، فكان المسجد، زيادة على إقامة الصلوات فيه، مدرسة قرآنية وعلمية وتزكية، يتعلم الناس فيها الأخلاق والآداب التي تجعلهم يشعرون بآثار المواعظ والسلوك في نفوسهم كأنهم يشاهدون الجنة والنار، ويصافحون الملائكة، كما جاء في حديث حنظلة أنَّ النَّبي ﷺ، قال: “والذي نفسي بيده إنْ لَوْ تَدُومُون على ما تَكُونون عندي وفى الذِّكْر لصَافَحَتْكُم الملائكة على فُرُشِكُم وفي طُرُقِكم، ولكن يا حنظلةُ ساعةً وساعةً»[22].
فقوله ﷺ: “لصافحتكم الملائكة” دليل على أثر الحضور في المسجد وتعلم العلم والتزكية فيه، مما يحلق بالمسلم في سماء التربية والأخلاق، حتى يكون كالشجرة الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
ومعلوم عند العلماء أنهم يطلبون الآداب قبل العلم حتى يصيب العلم تربة طيبة تنبت من كل زوج بهيج، كما قالت أم الإمام مالك له، لما أرسلته لأخذ العلم عن ربيعة بن عبد الرحمن: “اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه”[23]. وقال عبد الله بن وهب رحمه الله: “ما تعلَّمنا من أدبِ مالكٍ أكثرُ مما تعلّمنا من علمه”[24] .
وهذا كله مستوحى من قول الله تعالى: (ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)[25]. فقدم جل وعلا التزكية على التعليم هنا في سورة الجمعة وفي آل عمران، وقدم التعليم في السورة البقرة.
وقد كان شيوخنا ببلدنا المملكة المغربية يعلمون الصبيان الأدب قبل العلم، ويقولون: الأدب فرض عين لا يستغني عنه أحد، والعلم فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين. وإنما يجب منه ما تصح به العبادة من علوم الدين.
هذه بعض وظائف المسجد الموسومة بالشعائر التعبدية حسب ما يتسع له الوقت، تكون قربة بين العبد وربه، وتقوي إيمانه ليكون على يقين، وعمله ليكون خالصا لوجه الله الكريم.
إذا كانت العبادات غايات في التقربِ إلى الله تعالى وتصفيةِ العبد من شوائب الشرك الظاهر والخفي، وتحليته بالتقوى والإيمان، وتزيينِه بالعمل الصالح والخلق الحسن، فإن هناك غايات أخرى تتوخاها الشريعة في عمارة المساجد ووردت فيها آيات وأحاديث وآثار السلف الصالح من هذه الأمة، ألا وهي نشر القيم الفاضلة بين الناس وترسيخ المحبة بينهم وتخليقهم بخلق التضامن والتعاون على البر والتقوى، فيكون المجتمع المسلم أقوى بكون جميع أفراده “كمثل الجسد الواحد” كما قال النبي، ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”[26].
وتلك القيم والشيم كثيرة تشمل جميع مناحي حياة الناس، أفرادا وجماعات، أختصر الكلام عليها في مباحث أربعة، مستغنيا عن باقي المباحث بما ذكر:
من أهم الغايات والفوائد الاجتماعية التي يحققها المسجد عبر الصلوات الخمس والجمعة وحضور مجالس العلم والقرآن فيه التعارفُ بين الناس المحقِّقُ للأخوة والباني لمجتمع متماسك متعاون على البر والتقوى.
يقول الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)[27].
فهذه الآية الكريمة نصت على أن التعارف بين الناس غاية مهمة، لكونهم من جنس واحد؛ خلق من ذكر وأنثى، ونصب الله تعالى عليها دلائل من تنوع الناس إلى شعوب وقبائل وغير ذلك من التفريعات العرقية المختلفة، وذلك كله للتعارف فيما بينهم، ثم بين سبحانه أن هذا التنوع ليس للاختلاف، ولكن للائتلاف، فقال سبحانه: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) رادا علم ما تنطوي عليه القلوب من التقوى وغيرها إلى الله تعالى العليم والخبير بما في الصدور.
والتعارف هنا ليس لمعرفة بعضنا البعض اسما وكنية ولقبا وقبيلة وغير ذلك من مظاهر التعارف فحسب، بل للتعارف أيضا على بعضنا البعض أخلاقا ومعاملة وسلوكا، فيتأسى الضعيف بالقوي، والمقصر بالجاد، والجاهل بالعالم، وهكذا يتواصل التكامل في مجموع أفراد المجتمع، وذلك لأن الجاهل لا يعلم أنه جاهل إلا إذا جالس العلماء، فيظهر جهله، فيتواضع ويتعلم، وسيء الخلق لا يعرف قيمة الأدب والسلوك الحسن، إلا إذا عاشر المتخلقين بالخلق الحسن، ويرى معاملتهم له على ضعفه، فيحاول التأسي بهم ويعالج نفسه بصحبة الأخيار، كما قال النبي ﷺ: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك؛ إما تشتريه، أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك، أو ثوبك، أو تجد منه ريحا خبيثة»[28].
فالنبي ﷺ في هذا الحديث بَيَّن قيمة الجليس الصالح وما يستفاد من عشرته من نتائج طيبة وجميل الفائدة، كما بَيَّن الجليس السوء وما يلحق صاحبه من الخسارة وسوء العائدة.
فالمراد بالتعارف إذاً هو ما يبني المجتمعات ويجعلها في عطاء مستمر حتى تكون كالنهر الغمر لا يحمل الخبث، يسود فيها الخير والبر والإحسان، وينكفئ فيها الشر ويقصر أو يضمحل. وتصاغ جميع أفراده أو جلهم في بوتقة التقوى ويتنافسون في ما يقربهم إلى العلي الأعلى، جل وعلا.
من المعلوم من الدين ضرورة أن الإسلام دين المحبة، لقول النبي ﷺ: “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار”[29].
وقال ﷺ: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”[30].
والمحبة شرط لدخول الجنة لقوله ﷺ: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»[31]
وانطلاقا من هذه النصوص النبوية وما شابهها، نجد المحبة وقيمها التي تثمرها من الأهمية بمكان، ونجد المسجد المكان الأقرب والأسهل لنشر هذه المحبة وقيمها.
ذلك لأن المسجد هو قلب الحي النابض، ونجمه الثاقب، ومحور ما يدور فيه من علاقات وتصرفات ومعاملات، ونجد من ثقافات الناس أن المخالف للآداب يتهم بأنه لم يدرس في المسجد، ولم يكن يصلي فيه.
فكان المسجد بحق المنطلق الأساس لنشر المحبة بين الناس، لما لهم فيه من تلاق واجتماع من صلاة لأخرى، ولا يَمُنُّ فيه أحد على أحد لأنهم جميعا ضيوف الرحمن، ممتثلون لأمره ومجتنبون لنهيه، ومتحابون فيما بينهم، وحاجتهم واحدة، وهي مرضاة الله تعالى.
فالمسجد بصفوفه المتراصة ومساواة الناس فيه واحتكاك بعضهم ببعض في مرضاة الله، وتنافسهم في اغتنام الفضائل، كل ذلك يجعله مسهما في تقارب القلوب وصفائها وجعلها أقرب إلى سماع الحق وقبوله، وإلى تعلم العلم والتخلق بآدابه، ومحبة الناس والسعي في إسعادهم، ويتصفون بالإيثار على النفس، ويتسابقون في نفع الآخرين، فيعيشون حياة طيبة يشعرون فيها بالدفء الجماعي، كما حدث في أول مسجد، وهو مسجد رسول الله ﷺ، حيث كان الصحابة متحابين، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وتآخى فيه المهاجرون والأنصار، وتقاسموا كل ما يملكون، من غير امتنان من أحد على أحد، فأصبحوا أمة واحدة ويدا واحدة على من سواهم.
مما يسهم فيه المسجد إسهاما كبيرا التعاون على البر والتقوى، وهو معنى عام وكبير، لأن البر شامل لكل معروف، والتقوى دافع إلى كل نافع دنيا وأخرى، ومانع من كل إيذاء للنفس أو الغير، فكان المسجد مقام التناصح ومكان بيان الصواب من الخطأ وقبولهما؛ لقدسيته وعظم شانه في القلوب، وأدعى إلى الحياء من الخالق والمخلوق.
في المسجد تنطلق مصالح العباد وتشجع الأعمال الخيرة، وتهفو القلوب إلى فعل الخير، وفيه يستحي المخالف لشرع الله عند سماع الخطب والمواعظ، ويأخذ العهد على نفسه أن يتوب، ويعقد العزم على التزام الحق وأهله، ومجانبة الباطل وذويه، ويصلح حال الفرد والمجتمع.
المسجد، كما ذكرنا سابقا، هو قلب الحي النابض، والحي الذي لا مسجد فيه خراب، لا يعرف الناس بعضهم بعضا، ولا يحسون بحاجة الآخرين، ولا يشاركونهم أفراحهم وأتراحهم، ويتوجس كل جار من جاره خيفة، وقد يموت بعضهم في بيته ولا يعرف ذلك أحد، حتى تنبعث رائحته من خصاص الباب.
وهذه الأمور السلبية كلها منتفية في حي فيه مسجد، يتواصل الناس فيه في كل صلاة، ويعرف بعضهم بعضا، ومن غاب سألوا عنه، ومن مرض عادوه، ومن احتاج ساعدوه، ومن مات سارعوا إلى القيام بالواجب من غسله وتكفينه والصلاة عليه واتباع جنازته ودفنه، وتعزية أقاربه وتقديم يد المساعدة والمواساة لهم.
كان رسول الله ﷺ، يراعي أحوال رواد مسجده، يواسي محتاجهم، ويزور مريضهم، ويسأل عن غائبهم،
والنصوص في ذلك كثيرة لا يتسع المقام لسردها. أختم بواحد منها حيث روى مسلم في صحيحه، عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر فتمعر وجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لِمَا رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالا، فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: “(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة)، إلى آخر الآية: (إن الله كان عليكم رقيبا)[32]. والآية التي في الحشر: (اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله)[33]. «تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة» قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس، حتى رأيت كَوْمَيْن من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل، كأنه مُذهَبَةٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»[34].
أيها الحضور الكريم إنما نحن الآن في واحدة من تلك السنن الحسنة التي يجري أجرها لمن سعى فيها فأقام هذا الصرح الديني والمعلم التاريخي، والحصن الاجتماعي الذي يستجاب فيه لنداء الله عند كل صلاة، وتقضى فيه للعباد مصالحهم الدينية والدنيوية.
نسأل الله تعالى أن يجزي بانيَه ببيت في الجنة، كما وعد سبحانه على لسان نبيه سيدنا محمد ﷺ، وأن يجزل له العطاء، إنه جواد كريم.
كما نسأله سبحانه أن يتقبل منا جميعا صالح العمل، وأن يجزي هذه المؤسسة المحمدية العلمية العظيمة والقائمين عليها خير الجزاء على الاعتراف بالجميل، في إحياء مثل هذه المآثر الخالدة، لتكون لأصحابها لسان صدق في الآخرين. وتكون لنا وللأجيال اللاحقة دليلا وبرهانا على فضل فعل الطاعات وتخليد المبرات.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[1] – الجن 18.
[2] – النور 36-37.
[3] – آل عمران 96.
[4] – التوبة 108.
[5] – صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، 1/93.
[6] – التوبة 18.
[7] – صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب من بنى مسجدا 1/97.
[8] – صحيح ابن حبان 4/490.
[9] – سنن الترمذي 5/178.
[10] – ينظر صحيح البخاري، باب الخدم في المسجد، 1/99.
[11] – الإصابة في تمييز الصحابة، 12/56.
[12] – صحيح ابن حبان باب ذكر تأمل المؤذنين طول الثواب يوم القيامة بأذانهم في الدنيا، 4/555.
[13] – صحيح البخاري باب فضل التأذين، 1/125.
[14] – المصدر نفسه ورقم الصفحة.
[15] – سنن أبي داود، باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت، 1/203.
[16] – صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب فضل الجماعة، 1/131.
[17] – فتح الباري في شرح البخاري، 2/133-134.
[18] – الجمعة 9.
[19] – الموطأ، باب التشهد 1/166.
[20] – صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ما كان رسول الله ﷺ يتخولهم بالموعظة والعلم كيلا ينفروا، 1/25.
[21] – الجمعة 2.
[22] – صحيح مسلم، باب فضل دوام الذكر والفكر، 8/94. وكلمة (إن) في الحديث مخففة من الثقيلة أي: إنه لو تدومون … إلخ.
[23] – ترتيب المدارك 1/130.
[24] – سير أعلام النبلاء 8/113.
[25] – الجمعة 2.
[26] – صحيح مسلم 4/1999.
[27] – الحجرات 13.
[28] – صحيح البخاري باب في العطار وبيع المسك، 3/63.
[29] – صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، 1/12.
[30] – صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، 1/12.
[31] – صحيح مسلم، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سببا لحصولها، 1/74.
[32] – النساء 1.
[33] – الحشر 18.
[34] – صحيح مسلم، باب الحث على الصدقة ولو بشق أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار، 2/704.