بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد؛ فإن التبليغ بشرط الجودة كفيل بأن يُحقق الاهتداء أو يؤسس الاستعداد لقبوله؛ بحيث يتحول بما يُحرزه من الهداية أو يُهَيِّئ لها إلى وسيلة ناجعة تُثمر الحياةَ الطيبة التي بها تتم سعادة الإنسان وطمأنينته.
وقد طرأت على واقع الأمة سياقات متنوعة جعلتنا أمام إشكالية انحراف التبليغ عن مساره الصحيح بفقدانه مقومات فاعليته في تغيير النفوس نحو الحياة الطيبة، انحرافٍ آثارُه بادية بدليل ما نشهده من مؤشرات صارخة عن رداءة الحياة المسببة لتعاسة الإنسان رغم مظاهر تدينه.
لا يخفى أن الإجابة عن إشكالية انحراف التبليغ عن مساره القاصد؛ يُسهم في امتلاك البصيرة المطلوبة لتقويم اختلالاته في أفق تسديده المُتَشَوِّف لتحقيق جودته ومن ثَمَّ نجاعته، تسديدا يلحظ ضرورة الاستجابة لمقتضيات السيرورة وَصْلاً له بسياقات التحديات والتطورات الراهنة؛ ليتحول التبليغ – بتوسط وظائف النبوة كما كان في أول عهد الإسلام – وسيلة لعمارة الأرض تستعيد به هذه الأمة باعتبارها خير أمة أخرجت للناس حياتها الطيبة التي تَسْعد بها في نفسها، وتحقق بها الشهادة على غيرها من خلال أنموذجيتها المغرية؛ قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ا۟خْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ اِ۬لْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللَّهِۖ﴾ [آل عمران: 110].
إن غاية التبليغ تحقيق الرشد في التدين باعتباره حالة من اكتمال النضج المطلوب. غير أنه لما انحرف عن مساره المقصود تأكدت ضرورة تسديده بما يُمَكِّن مِن رَأْب الفجوة المتسعة بين مطلوب الدين الذي أنزله الله من أجله، وبين واقع التدين المنحرف بسبب ما اعتراه من صور القصور البشري. فما هو يا ترى معنى (تسديد التبليغ)؟
إن تسديد التبليغ المطلوب تقويمٌ لإيصالٍ يُلْحَظُ فيه معاني مادة (سدّ) من: الإتقانِ والاسْتِحكامِ مع الحَاجِزِيَّة، وكذا آثارِها من الاستقامة والقصد والصواب والرَّدْم والمُلاءمة[1]، ويمكن الإشارة إلى بعضٍ من معاني تسديد التبليغ كما يستفاد من بعض إشارات العلماء فيما يأتي:
يقول حجة الإسلام الغزالي في بيان معنى مصطلح (التسديد) في سياق مقارنته بمعاني مُصْطَلَحَي (الرشد) و(التأييد): «وأما التسديد فهو أن يُقَوِّمَ إرادتَه وحركاتِه نحو الغرض المطلوب ليهجم عليه في أسرع وقت. فالرشد تنبيه بالتعريف، والتسديد إعانة ونصرة بالتحريك، وأما التأييد فهو تقوية أمره بالبصيرة من داخل وتقوية البطش من خارج»[2]. وهو تعريف يلحظ جانب تقويم المبلِّغ أولا لقصده ثم حركته جمعا بين الإخلاص والإتقان الممكنين من تحقيق السداد في مطلوبٍ شرعي يحضر فيه جانب التعبد؛ قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ
لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاٗ صَٰلِحاٗ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَداٗۖ ﴾[3]؛ خاصة أن التبليغ نوعُ وراثةٍ نبوية تستدعي مراعاة التأسي المطلوب في بابه كما قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِے رَسُولِ اِ۬للَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٞ
لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اُ۬للَّهَ وَالْيَوْمَ اَ۬لَاخِرَ وَذَكَرَ اَ۬للَّهَ كَثِيراٗۖ﴾ [الأحزاب: 21]. ويُلحظ فيه أيضا جانب المبادرة للحركة كما هو شأن المطالب العالية المحققة للمغفرة بِتَوَسُّطِ تحقيق النفع ﴿سَارِعُوٓاْ إِلَيٰ مَغْفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
اَ۬لسَّمَٰوَٰتُ وَالَارْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾[4]. كما يلحظ فيه كذلك كون حركة التقويم من المبلِّغ إنما هي وسيلة اسْتِجْلاب إعانة الله ونصرته للمتسبِّب بالإرادة الصادقة والحركة النافعة باعتباره سبحانه هو المحرك والفاعل، ومن ثَمَّ المُسَدِّد للحركة حقيقة.
إن المقصود بـ(تسديد التبليغ): تقويم التبليغ بما يراعي أسبابه الموجبة، ويستحضر شروطه اللازمة، ويدفع أو يرفع موانعه المعيقة؛ في أفق إحكامه المحقق للرشد بما هو نضجٌ مطلوبٌ في التدين تحصيلا لسعادة الدارين، فهو إذاً تصويبُ إيصالِ الدين على الوجه الذي يحصل به ترشيد التدين ترشيدا يُحَصِّلُ الحياة الطيبة.
حيث إن التبليغ حكم شرعي كلفنا الشارع به؛ فليس الشأن في المسارعة المتعجلة التي يتصور أصحابها الامتثال لأمر الله به دون مراعاة شروطه، مثله في ذلك مثل سائر الأحكام التكليفية؛ فإن الأمْرَ بِها أَمْرٌ بِها وبِما لا تَتِمُّ إلا به؛ يقول العلامة ماء العينين في نظمه للورقات:
والأمر بالشيء اقتضى لشرطه * ومن فعل يخرج عن عهدته[5]
وإنما الشأن في الامتثال الذي يخرج به المكلف من عُهدة التكليف بالتبليغ أن يعرف البيئةَ التي ارتضاها الشارع لفهمِ وتنزيلِ ذلك الحكم التكليفي، ألا وهي ما يكتنفه من الأحكام الوضعية التي لا يُتصور أن يتم بدونها؛ فإنه لا يُتصور حكم تكليفي إلا مقترنا بأحكام وضعية من أسباب وشروط وموانع؛ يقول العلامة القرافي: « ولا يُتصور انفرادُ التكليف؛ إذ لا تكليف إلا وله سبب أو شرط أو مانع… »[6].
وما لا تتم التكاليف إلا به هو ما تتوقف عليه من:
قال العلامة القرافي:
« الفصل الخامس عشر: فيما تتوقف عليه الأحكام »
وهي ثلاثة: السبب، والشرط، وانتفاء المانع؛ فإن الله تعالى شَـرَعَ الأحكامَ وشَـرَعَ لـها أسباباً وشُروطاً ومَوانِعَ، وَوَرَدَ خِطابُه على قسمين:
ومراعاةً لذلك الارتباط، وحتى يكون ذلك على ذُكْرٍ مِن بَال العلماء عند النظر في الأحكام؛ فقد تَقَرَّرَ من القواعد أن «الحكم لا يتم حتى تجتمع شروطه وتنتفي موانعه».
وتَيْـسيراً على المشتغلين بالعلم صُنِّـفَت الشروطُ بحسب طبيعتها إلى قسمين:
شروط عامة فـي جميع التكاليف من مثل: العقل، والبلوغ، والعلم، والاستطاعة[8]…، يذكرها الجمهور عادة في كتب أصول الفقه فـي مبحثي: المحكوم فيه وهو الشريعة، والمحكوم عليه وهو المكلف. ويذكرها الأحناف في مباحث: الأهلية شروطها وعوارضها، وقد يُستغـنَى عن ذكر تلك الشروط – رغم تفصيل الحديث عن الأحكام التي ترتبط هي بها – في كتب الفقه؛ استغناءً بوجودها في كتب الأصول التي لا يتصور العلماء المحققون النظر في أحكام الفقه إلا في ضوئها، أو استغناءً منهم بمعرفة العلماء لها؛ إذ حذف ما يُعلم جائز.
شروط خاصة بكل حكم وذلك بحسب ما يُناسِبُ طبيعة ذلك الحكم ويوافق خاصيته؛ يذْكُرها العلماء عادةً مقرونة بذلك الحكم في كتب الفقه التي هي مظنة تناول تفاصيل ذلك الحكم؛ مما يؤكد ضرورة عدم الاكتفاء بالقواعد العامة التي تُوجَدُ في كتب أصول الفقه؛ مما صار مَسْلَكاً لكثيرٍ مِن مُتَسَوِّرِي الاجتهاد المعاصرين، مُغْفِلينَ ضرورة الرجوع إلى الجهود الضخمة التي بذلها فقهاؤنا في استخراج ضوابط كل حكم شرع؛ مما لا يوجد تفصيله إلا في كتب الفقه، وأحيانا في كتب التفسير أو كتب الشروح الحديثية للعلماء المحققين.
ولأجل هذا المعنى لم يكن المحققون من العلماء يقتصرون على الحديث دون الفقه، ولا يكتفون بالفقه دون الحديث، بل كانوا ينظرون فيهما جميعا مسترشدين بمناهج مدارس العلماء الذين لهم قبول عام في الأمة؛ مثل الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم وتلاميذهم، وَصْلاً لحلقات النظر العلمي بعضها ببعض في مختلف طبقات تاريخ العلم.
يقول العلامة القرافي في تقرير انقسام الشروط إلى عام وخاص: « ويُشترط مع العلم والقدرةِ شروطٌ أُخَر تختص بكل عبادة منها شروط، كما يُشترط في الصلاة البلوغ والزوال، والإقامة في الجمعة والصوم، ودوران الحول في الزكاة، وهو كثير مبسوط في كتب الفقه »[9].
وبناء على ذلك فإن ممارسة ما يُتصور تبليغا من خلال مطلق الإيصال لتعاليم الدين لا يُحوله إلى (التبليغ) الذي له حقيقة شرعية لا تُتصور إلا باستيفاء أسبابه وشروطه من مثل: الأهلية العلمية والخلقية وكذا المهارية…، وإزالة موانعه من مثل: التمثلات الفاسدة عن الدين الذي يُدْعى إليه بدءا بأصله المتمثل في التوحيد الذي يُراد منه في مناهج التبليغ الفاسدة التصنيف الذي لا يحقق غرض التزكية، ومرورا بمفاهيم الاتباع والابتداع المخالفة لما توارد عليه أهل العلم قرونا متطاولة؛ مما آل إلى رفع مراتب أحكامٍ بنقلها من دائرة العمل إلى دائرة الاعتقاد ونسبة أصحابها إلى الشرك أو البدعة المغلظة، ثم الانتقال إلى تبليغ ما يتصورون إخلال عامة المسلمين به…
إن الأمر الشرعي بالتبليغ أمر به وبما لا يتم إلا به، مما لا يعرفه إلا العلماء ومن يدور في فلكهم من مُوَفَّقِي الخطباء والوعاظ والمرشدين والأئمة…، ومن أمثلته التي تشتد الحاجة إلى معرفتها في كل عصر؛ ضرورة الوعي بتوقف التبليغ على معرفة مقتضيات الفطرة في كيفية نُشوء العمل الظاهر مترتبا على حال صحة باطنة تكيفت بها نفس مزكاة قوي عندها وازع الإيمان الباعث على الإرادة الجازمة ومن ثم العمل الصالح؛ مما يتلون به تصور ضرورة التراتبية التي يُؤَسَّسُ عليها البناءُ المنطقي لمادة التبليغ لتَتَرَتَّبَ في التوجيه كما ترتبت في الوجود.
ولذا لابد من استحضار أن سهولة انبعاث الإرادة ومِن ثَمَّ العمل؛ متوقف على هيئة نفسانية تتشوف بمقتضى صحتها إلى تلقائية تحصيل المأمور المحبوب أو ترك المنهي المخوف؛ مما يفرض على مادة التبليغ أن تترتب غالبا حسب مقتضيات الوجود ترتيبا منطقيا بين العناصر الداخلة في غرس وازع الإيمان الإذعاني
أولا باعتباره الأساس المفضي إلى إِمْدادِ العبادة الملحوظةِ ثَمراتُها بمَددِ دوامِ الرغبةِ والامتثال، وجَعْلِ ذلك وسيلةً لتقوية العمل الصالح وترسيخه.
ولاشك أن الغالب على التبليغ اليوم الانتقال من الـتأسيس للإيمان بما هو وسيلة خلق الباعثية لامتثال الأمر والزاجرية عن اقتراف النهي؛ إلى خطاب فكري صرف لانبنائه على منهج يستهدف إقناع العقل بمشروعية الحكم، وذلك في غفلة عن مراعاة وضع الشريعة التي لها منطق مغاير يركز على استثارة القلب من خلال خلق الرغبة الباطنية باعتبارها شرطا لانبعاث العمل؛ فإنما وقوع الأعمال التي هي مظاهر بالنيات الباعثة عليها في الضمائر.
إن من أعظم مقاصد تسديد التبليغ الارتقاءَ بالتدين إلى (الرشد) باعتبار مركزيته كأُفُقٍ يَتَشَوَّفُ الدين لتحقيقه؛ مما يحوج إلى بيان مكانته، ومعرفة حدوده، ومقوماته، وشدة الحاجة إليه…
إن نصوص الشارع تدل بمجموعها على أن (الرشدَ) هو غايةٌ من غايات إنزال الدين الذي يُراد تبليغه، وثمرةٌ من ثَمَرَات العمل بما جاء به من التكاليف؛ فقد وردت كلمة (الرشد) ومشتقاتها في القرآن الكريم تِسْعَ عَشْرَةَ مرة (19) بمعانٍ تتناسب مع السياقات التي اسْتُعْمِلَت فيها، معان تشتمل على أمور منها:
إن الرُّشْد – باعتباره نُضْجاً مُؤَهِّلاً للتصرف المحمودة عواقبه – يُعد أساس صدقية الانتظام في سلوك سبيل العبودية المحقق للتدين المطلوب بلحاظ مقاصده، ومنه تتناسل سائر أحوال المتدين السالك لذلك السبيل بَدْءاً بِفَهْمِ مُراد الله منه ﴿وَمَا خَلَقْتُ اُ۬لْجِنَّ وَالِانسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِۖ﴾ [الذاريات: 56]، ومرورا بصدق إرادته الانخراط في سبيل عبوديته ﴿وَمَنَ اَرَادَ
اَ۬لَاخِرَةَ وَسَع۪يٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُومِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراٗۖ﴾ [الإسراء: 19]، ثم انتهاءً بحرصه على الثبات عليها؛ قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوِاْۖ ﴾ [هود: 112]؛ يقول العلامة ابن بَرَّجان: « الاستقامةُ الأولى لُزومُ الإيمان باطنا والتحلي بِحِلْيَةِ الإسلام ظاهراً، والاستقامةُ الثانية الثباتُ واللزوم، كما كان رسول الله ﷺ يقول في دعائه: «اللهم إني أسألك الثباتَ في الأمر والعزيمةَ على الرشد»[10].
فهذه الاستقامة هي التزام التوحيد عَقْداً وقولا وعملا كما تقدم في التوحيد الأعلى»[11].
إن امتلاكَ البصيرةِ العلمية في الأمر، وصِدْقَ الإرادة في سلوك طريقه، والثباتَ عليه بعد التوفيق إليه؛ أثافٍ ثَلاث بها يحصل الرشد ويتنامى، يقول العلامة الحرالي: « الرشد: تصريف الأمور على مَحْمَدَةِ عواقبها وصلاحِ مآلها، ولا يتم إلا: بإحاطةِ علمٍ، وثباتِ تَدْبيرٍ؛ ليُطابِقَ ظاهِرُ حاضِرِ الأمرِ باطِنَ غائِبِ مَآلِه. ولمخالفة ظاهر المنافق باطنه تحقق فيه السفه عند الرشد، وتحقق في الصادق الرشد ﴿اَ۬لَآ إِنَّهُمْ هُمُ اُ۬لسُّفَهَآءُ﴾ [البقرة: 12]، ﴿وَلَٰكِنَّ اَ۬للَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اُ۬لِايمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِے قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ
إِلَيْكُمُ اُ۬لْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَۖ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لرَّٰشِدُونَ ﴾ [الحجرات: 7]، وعلى قدر تَحَقُّق الصدق، وثباتِ الأمر، وإحاطةِ العلم؛ يتنامى الرشدُ ﴿فَإِنَ اٰنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداٗ فَادْفَعُوٓاْ
إِلَيْهِمُۥٓ أَمْوَٰلَهُمْ﴾ [النساء:6]، ولما كان هذا الأمر لا يَكْمُلُ ما به الرُّشْدُ مِن إحاطة العِلمِ وثَباتِ الأمرِ وكمالِ الصدقِ إلا لله كان بالحقيقة هو تعالى الرشيدَ الذي لا رشيد إلا هو »[12].
إن الرشد حالةُ نُضْجٍ في التدين يبلغ بها العَبْدُ دَرَجَةَ حُسْنِ التَّصرفِ المحمود بواسطة الاهتداء الممكن من الاستجابة لمطلوب الدين بشرطيه من الإيمان والعمل الصالح؛ قال تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِے وَلْيُومِنُواْ بِيَ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَۖ﴾ [البقرة: 185].
يقول العلامة البقاعي: « ولَمّا أوْجَبَ اسْتِجابَتَهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ ما دَعا إلَيْهِ وكانَتِ الِاسْتِجابَةُ بِالإيمانِ أوَّلَ المَراتِبِ وأَوْلاها – وكانَتْ مَراتِبُ الإيمانِ في قُوَّتِهِ وضَعْفِهِ لا تَكادُ تَتَناهى – قالَ مُخاطِباً لِمَن آمَنَ وغَيْرِهِ: ﴿ولْيُومِنُوا بِي﴾ أيْ مُطْلَقَ الإيمانِ أوْ حَقَّ الإيمانِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ أيْ لِيَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِنَ الدَّوامِ عَلى إصابَةِ المَقاصِدِ والِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ.
قالَ الحَرالِيُّ: والرُّشْدُ حُسْنُ التَّصَرُّفِ في الأمْرِ حِسّاً أوْ مَعْنىً في دِينٍ أوْ دُنْيَا، ومِن مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ تَتَفَصَّلُ جَمِيعُ أحْوالِ السّالِكِينَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن تَوْبَةِ التّائِبِ مِن حَدِّ بُعْدِهِ إلى سُلُوكِ سَبِيلِ قُرْبِهِ إلى ما يُؤْتِيهِ اللَّهُ مِن وُصُولِ العَبْدِ إلى رَبِّهِ. انْتَهى »[13].
إن الرشد حالٌ مِن انبعاثِ روحِ الإيمان التي يستيقظ بها باطن العبد؛ فيقوى معها – بما حَصَّل مِن تلك الروح – على سهولة الامتثال لفعل الطاعة التي بها صلاحه وترك المعصية التي فيها فساده؛ يقول أبو حامد الغزالي: « وأما الرشد فنعني به العناية الإلهية التي تُعين الإنسان على توجهه إلى مقاصده؛ فتُقَوِّيه على ما فيه صلاحه، وتُفَتِّرُه عما فيه فساده، ويكون ذلك من الباطن كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدَ اٰتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَٰلِمِينَ﴾ [الأنبياء: 51] »[14].
يمكن أن نَخْلُص بعد هذا إلى تعريف التدين الراشد بأنه: «هيئة نضج لنفس تكيفت بروح الإيمان المقتضية لحسن التصرف برعاية الصلاح المؤسس على الصدق في الاهتداء بالخير المتقوم بالإيمان والعمل الصالح»[15].
لما كان مدار الرشد في تدبير الإنسان لأموره على حُسْن التَّصَرُّفِ المحمود بواسطة الاهْتِداء بالدين المتقوم بمقتضياته؛ فإنه لابد فيه من أمرين اثنين هما:
الإيمانُ الصادق مِن حَيْثُ هو داعٍ للعمل وباعِثٌ عليه؛ وهو ما يكون للإيمان به روحٌ لا يُتصور تَدَيُّنٌ حَـيُّ ومُؤَثِّرٌ بدونه؛ بحيث يسعى الراشد في تحصيل تلك الروح الإيمانية التي تُكَيِّفُ القلبَ بحالٍ من التحقق الفعلي المقوي للقلب على بعث الجوارح على العمل بسهولة؛
يقول صاحب المنار في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُومِنُواْ بِيَ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 185] « وقال المفسرون في الأمر بالإيمان هنا أنه أمر بالمداومة عليه لأن الخطاب للمؤمنين، وذهب الأستاذ الإمام إلى أن الخطاب عام وأَنَّ حَظَّ من استجاب لله وللرسول منه أن يُحاسِبَ نَفْسَه ويُطالِبَها بأن تكون أعماله الظاهرة التي عُدَّ بها مُسلما صادرةً عن الإيمانِ اليقيني والاحتسابِ والإخلاصِ لله تعالى؛ ففي ذِكْرِ الإيمان بعد الاستجابة إشارةٌ إلى أن من الناس من يستجيب إلى الأعمال ويقوم بها وهو خِلْوٌ مِن رُوحِ الإيمان ﴿قَالَتِ اِ۬لَاعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُومِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ اِ۬لِايمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14].
﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ أي بالجمع بين الإيمان والإذعان للأمر والنهي. والرشد والرشاد ضد الغي والفساد؛ فعلمنا أن الأعمال إذا لم تكن صادرة بروح الإيمان لا يُرجى أن يكون صاحبها راشدا مهديا، فمن يصوم اتباعا للعادة وموافقة للمُعاشَرين فإن الصيام لا يُعِدُّه للتقوى ولا للرشاد، وربما زاده فسادا في الأخلاق وضَراوَةً بالشهوات؛ لذلك يُذَكِّرُنا تعالى في أثناء سرد الأحكام بأن الإيمان هو المقصود الأول في إصلاح النفوس، وإنما الأعمالُ في صدورِها عنه وتَمْكينِها إياه »[16].
العمل الصالح من حيث هو مظهر الإيمان وثمرته؛ فإن الرشد يمر عبر الحرص على انبعاث الجوارح للعمل بمقتضى الإيمان؛ أي العمل الذي وصفه الشارع بالصالح وهو العمل الذي يخرج وعليه كسوة القلب لارتباطه بمدد الإيمان؛ قال تعالى: ﴿لَنْ يَّنَالَ اَ۬للَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِنْ يَّنَالُهُ اُ۬لتَّقْويٰ مِنكُمْ﴾ [الحج: 35]؛ يقول العلامة البقاعي: « ﴿ولَكِن يَنالُهُ التَّقْوى﴾ أيْ عَمَلُ القَلْبِ وهي الصِّفَةُ المَقْصُودُ بِها أنْ تَقِيَ صاحِبَها سَخَطَ اللَّهِ، وهي الَّتِي اسْتَوْلَتْ عَلى قَلْبِهِ حَتّى حَمَلَتْهُ عَلى امْتِثالِ الأوامِرِ الَّتِي هي نِهاياتٌ لِذَلِكَ، الكائِنَةُ ﴿مِنكُمْ﴾ الحامِلَةُ عَلى التَّقَرُّبِ الَّتِي بِها يَكُونُ لَهُ رُوحُ القَبُولِ، المُحَصِّلَةُ لِلْمَأْمُولِ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّيَّةَ الخالِصَةَ خَيْرٌ مِنَ الأعْمالِ المُوَظَّفَةِ – انْتَهى. فَإذا نالَتْهُ سُبْحانَهُ النِّيَّةُ قَبْلَ العَمَلِ فَتَلَقَّى اللُّقْمَةَ «فَرَبّاها كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَل»[17]، ووَقَعَ الدَّمُ مِنهُ بِمَكانٍ[18]؛ فالنَّفْيُ لِصُورَةٍ لا رُوحَ لَها والإثْباتُ لِذاتِ الرُّوحِ، فَقَدْ تُفِيدُ النِّيَّةُ مِن غَيْرِ عَمَلٍ كَما قالَ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ ما مَعْناهُ «إنَّ بِالمَدِينَةِ رِجالاً ما نَزَلْنا مَنزِلاً ولا قَطَعْنا وادِياً إلّا كانُوا فِيهِ حَبَسَهُمُ العُذْرُ»[19]، ولا يُفِيدُ العَمَلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، والنِّيَّةُ هي الَّتِي تُفِيدُ الجَزاءَ سَرْمَداً، واللَّهُ المُوَفِّقُ »[20].
إن التدين لما كان جهدا بشريا يعتريه النقص؛ احتاج إلى ضرورة مواكبته بـ(الترشيد) باعتباره مُلاحَقَةً للمُمارسات التي تنتسب للدين قياما بعملية تَقْويمٍ تُكْسِبُها الهُدى والرُّشد. إنه تَدْبيرٌ لأمر السلوك الديني بما يَلْحَظُ تَحْصيلَ ثمراته المرجوة ودَفْعَ ما يمنعها، ولذا فمداره على: الاجتهاد في إِكْسابِ التَّدّيُّنِ الرُّشْدَ المقصودَ في أُفُق تَحْصيلِ الحياة الطيبة بِتَوَسُّطِ تحقيق العبودية المُتَقَوِّمَةِ بالإيمان والعمل الصالح.
نعم ثَمَّةَ بَونٌ شاسع بين واقع التدين الموجود، وبين مطلوب الدين المقصود، ومن أمثلته على سبيل الذكر لا الحصر: تضخم (التدين القِشْرِي) المعتني بالأشباح من خلال صَبْغِها بمظهرية من الرسوم الجوفاء المنقطعة عن مددِ طهارة الباطن في غفلة عما يقتضيه مقصود (التَّدَيُّن الجَوْهَري) من ضرورة الغوصِ إلى باطن النفوس والأرواح اعتبارا بما تنعقد عليه الضَّمائِرُ لا بما يَلُوحُ من المَظاهِر، غَوْصٍ في النفوس لتحريرِها من الميل إلى الفجور بسبب الأغيار الصارفة عن التحقق بعبودية الله؛ سواءٌ أكانت أغياراً بشرية مثلُ أمراض النفس ورعوناتِها، أو أغياراً ماديةً مِثْلُ الشهوات والتملكات، تحريرِها بِتَوَسُّطِ تذكيرٍ وتزكيةٍ وتعليمٍ تُكَيِّفُ الوِجدانَ بصِبْغِها الملحوظِ فيه نَوْعُ غَمْسٍ روحاني يُوجِب تَحَوُّلاً بِيُسْرٍ إلى تمامِ عبوديةٍ مُحققة للسعادة؛ ﴿صِبْغَة الله ومَن اَحْسَنُ مِن الله صِبْغَة ونحن له عابدون﴾ [البقرة: 137].
وقد تَوَلَّد عن تضخم (التدين القشري) في الواقع الغفلةُ عن مقتضيات الفطرة في كيفية نُشوء العمل الظاهر مترتبا على حال صحة باطنة تكيفت بها نَفْسٌ مُزَكّاةٌ قَوِيَ عندها وازِعُ الإيمانِ الباعث على الإرادة الجازمة ومن ثم العمل الصالح؛ مما يَتَلَوَّنُ به تَصَوُّرُ ضَرورةِ التَّراتُبِيَّةِ التي يُؤَسَّسُ عليها البناءُ المنطقي لمادة التبليغ المُرَشِّدِ لتَتَرَتَّبَ في التوجيه كما ترتبت في الوجود؛ بحيث يتم توجيه المُبَلَّغين إلى العناية بالإيمان المُؤَسِّسِ للشَّوْقِ، شوقٍ مُحَرِّكٍ للتَّشَوُّفِ، تَشَوُّفٍ باعِثٍ على الإرادةِ، إرادةٍ مُنْشِئَةٍ للعمل.
إن مرجع التدين الرشيد إذاً إلى قَلْبٍ قَوِيَت حَياتُه بالانْصِباغِ بكمالِ محبةِ الإيمانِ، والاستغراقِ في شُهود حُسْنِه؛ بحيث يكون ذلك أعْظَمَ باعثٍ له على فعل الخَيرات، وأَعْظَم زاجِرٍ له عن فِعْلِ المُنكرات، ولنتأمل قوله تعالى في تقرير ما يكون به الرشد في التدين: ﴿وَاعْلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اَ۬للَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٖ مِّنَ اَ۬لَامْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اَ۬للَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اُ۬لِايمَٰنَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ اُ۬لْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لرَّٰشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7]، كيف صَوَّرَ أن إرادَتَهُم مُوافَقَةَ
الشارع لهم فيما تشتهيه أنفسهم خُروجٌ عن الرشد في التدين يُوقِعُهم في العَنَت، ثم بين بعد ذلك ما يحول بينهم وبين الميل عن الرشد ألا وهو اشتمال قُلوبهم على ما به قُوَّتُها التي تمنعها مِن إرادةِ مُخالفةِ الشارع؛ أي بلوغ الإيمان في قلوبهم درجة محبته واستحسانِه غاية المحبة والاستحسان، وكراهَةِ ما يُنافيه من الكفر والفسوق والعصيان نهاية الكراهية؛ مما يقتضي كون المتدين الساعي لتحقيق هذه الحالة القلبية بمجاهدته لنفسه هو الحقيق بوصف الرشد ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
نخلص إلى أن تسديد التبليغ يهدف إلى رَدِّ شؤون التدين إلى نصابها السليم من خلال ذلكم الترشيد؛ ليتأتى إرجاعها إلى مقصود نزول الدين الكامل الذي من أعظم مقاصده – كما سبقت الإشارة – جَعْلُ تَدَيُّنِ الإنسان وسيلةً إلى سعادته بما هي عنوان طِيب حياته؛ قال تعالى: ﴿طَه مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ اَ۬لْقُرْءَانَ لِتَشْقيٰٓ﴾ [طه: 1].
هذا وعلى الله قصد السبيل
[1]– ينظر التحقيق في كلمات القرآن الكريم؛ حسن مصطفوي 97/5.
[2] ميزان العمل، ص 303.
[3] سورة الكهف آية 105
[4] سورة آل عمران آية 133
[5]– منظومة «الأنفس في الأنظام لورقات علم الأعلام»، مخطوط خاص.
[6]-شرح تنقيح الفصول ص: 81.
[7] شرح تنقيح الفصول، ص:78.
[8] يقول العلامة عبد الله العلوي الشنقيطي في مراقي السعود، ص:11
والعِلْم والوُسْعُ على المَعْروفِ * شَرْطٌ يَعُمُّ كُلَّ ذِي تَكْليفِ
[9] شرح تنقيح الفصول، ص 79
[10] رواه النسائي في سننه، رقم 1304، والأمام أحمد في مسنده رقم 17114
[11] تنبيه الأفهام إلى تدبر الكتاب الحكيم وتعرف الآيات والنبأ العظيم 2/1147.
[12] مخطوط خاص في شرح أسماء الله الحسنى
[13] نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 76/3
[14] ميزان العمل، ص 303
[15] ميزان العمل، ص 303
[16] تفسير المنار 173-172/2.
[17] رواه البخاري، رقم 1410.
[18] إشارة إلى حديث رواه الترمذي برقم 1493؛ قال فيه رسول الله ﷺ عن دم الأضحية: « وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض، فطيبوا بها نفسا ».
[19]– رواه بنحوه البخاري برقم 2839.
[20] نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 53/13